صفقة تدبير مواقف السيارات بفاس بين الرأي والرأي الآخر


هشام التواتي

إلى أي حد ساهمت صفقة مواقف السيارات التي أبرمتها جماعة فاس مع الشركة النائلة للصفقة في إذكاء حدة الإحتقان في صفوف المواطنين؟

هل يريد العمدة وإخوانه إشعال المدينة والزج بها في صراعات مجانية قد تحرق الأخضر واليابس؟

هل يعقل أنه في عز الأزمة التي تعصف بالأغلبية الساحقة من شباب العاصمة العلمية الذين كان بعضهم يتدبر موردا للرزق من خلال حراستهم اليومية لمجموعة من المواقف سيتم قطع أرزاقهم بجرة قلم؟

لماذا لم يأخذ المجلس الجماعي لمدينة فاس بعين الإعتبار القدرة الشرائية المتدنية لأغلب المواطنين وسمح لشركة أجنبية باستخلاص درهمين عن كل ساعة توقف لسيارات المواطنين ؟

هل يقبل العقل والمنطق أن تفوض جماعة فاس لشركة ما، بغض النظر عن كونها وطنية أو أجنبية، مهمة تدبير  مواقف السيارات بالعاصمة العلمية دون أن يشمل هذا التدبير حراسة تلك العربات؟ ودون أن تتوفر على ماكينات للآداء مع استخلاص التذكرة؟

مامصير المئات من عائلات حراس السيارات الذين ينتظرهم التشريد؟ ولماذا لم تأخذ جماعة فاس بعين الإعتبار هذا المعطى الإجتماعي أثناء تفويت الصفقة للشركة الفائزة؟

لماذا يصر المجلس الجماعي لمدينة فاس على نهج سياسة الآذان الصماء والعيون البصيرة أمام الصرخات المتكررة والإحتجاجات المستمرة للساكنة الفاسية الرافضة للمشروع برمته في صيغته الحالية؟ 

بالمقابل، وفي إطار الموضوعية والرأي والرأي الآخر، لماذا لم تتقدم شركات مواقف السيارات والدراجات النارية التي تتزعم الإحتجاجات الحالية للتباري على صفقة تدبير مواقف السيارات التي أطلقتها جماعة فاس؟

إذا كانت واحدة من تلك الشركات قد تقدمت فعلا فلماذا تطالب حاليا بالحصول على دفتر التحملات الذي يفترض أن تكون قد تحصلت عليه أثناء تقدمها للمناقصة؟

هل ينكر أصحاب تلك الشركات المحتجة بأن الشركة الفائزة بالصفقة قد تقدمت وحدها لهاته الصفقة؟ وهل ينكر الآخرون تعمدهم عدم المشاركة لضمان استمرار الوضعية الفوضوية التي تسمح لهم بالإستغلال المجاني للمواقف مع الإستمرار في التحصيل اليومي للموارد؟

هل حقا تقوم تلك الشركات بالتدبير الشخصي والفعلي لتلك المواقف أم أنها تقوم بكرائها للغير بمقابل مادي يومي يختلف حسب الموقف وأهميته الإستراتيجية؟

هل حقا سجلت شركات مواقف السيارات هؤلاء الحراس لدى صندوق الضمان الإجتماعي؟ وكم عدد الأشخاص المسجلين لدى كل شركة؟ وهل يتوفر هؤلاء الحراس المشغلين حقا على التغطية الصحية؟ وهل يتلقون الحد الأدنى للأجور؟

هل ينكر أصحاب تلك الشركات بأنهم لازالوا إلى يومنا هذا يستفيدون من مداخيل تلك المواقف رغم أنهم توقفوا منذ حوالي السنتين عن آداء المقابل الشهري لكراء تلك المواقف للجماعة؟

 أيقبل أرباب شركات مواقف السيارات والدراجات تلك أن يأخذوا مالا غير مستحق كان يفترض أن تتحصله الجماعة ليتم توظيفه في إصلاح الشوارع وترقيع الحفر وإصلاح المصابيح العمومية المعطلة؟

في الوقت ذاته، لماذا صمت المجلس الجماعي لمدينة فاس عن هذا النزيف القوي لماليته؟ ولماذا لم يقم مثلا بالتمديد لتلك الشركات حتى يستمر في تحصيل تلك المداخيل؟

ماهي الإجراءات والتدابير القانونية التي نهجتها جماعة فاس في وجه أرباب تلك لشركات التي تستفيد من امتياز تدبير المرفق العمومي دون أن تؤدي درهما واحدا للجماعة؟

أين كانت الأحزاب السياسية التي يهرول ممثلوها اليوم لأخذ الصور أثناء احتجاجات الساكنة حينما كان الأمر يناقش في المجلس ولماذا لم تقم الدنيا وتقعدها في إبانه؟

"أولاد عبد الواحد واحد" كما يقول المثل، فلا الأغلبية نجحت في التدبير الحسن لشؤون المدينة منذ توليها المسؤولية ولا المعارضة كانت في المستوى لتقف في وجهها وتنتصر للمواطن المطحون المغلوب على إردته.

نعم لتدبير أفضل لمواقف السيارات بفاس لكن ليس بهاته الشروط ولا بهاته الأثمان ولا بهاته الطريقة وليس دون حراسة ولا تشريد للمئات من الحراس.

نعم لمدينة ذكية، لكن دون استغباء أو استحمار للساكنة. نعم للشركات المغربية التي توظف الشباب العاطل وتمنحه على الأقل الحد الأدنى للأجور وتسجله في صندوق الضمان الإجتماعي بساعات عمل محددة حتى يضمن حقوقه ويحس بآدميته.

وفي الأخير، لانملك سوى أن نضم صوتنا لصوت ساكنة مدينة فاس المطالبة بفسخ العقدة، وتصحيح مكامن الخلل وإعادة الإعلان عن الصفقة ببنود وشروط جديدة تراعي مجموعة من الشروط الموضوعية الواجب توفرها في دفاتر التحملات، ولنا في تجارب المجالس الجماعية لمجموعة من المدن أفضل مثال.

وعلى أرباب شركات حراسة مواقف السيارات والدراجات أن تؤدي ماعلق بذمتها خلال السنتين الماضيتين للجماعة لأنه من حق المواطنين أبناء وبنات مدينة فاس، لأنه من المال العام. ولاينبغي أن يتدلى في جيوب أصحاب الشركات دون وجه حق.


العاصمة العلمية للمملكة لاتستحق ما حدث لها من تهميش وإقصاء واندحار خلال السنوات الخمس الماضية. 
فاس، بما تمثله من إرث تاريخي عريق يعود لاثني عشر قرنا، تستحق الأفضل.

فمن ياتراه سيكون في مستوى انتظارات مدينة بحجم فاس؟ وأيهم سينال ثقة المواطنين ليرفع عنهم الهم والغم؟


فاس تستحق الأفضل. والله يجيب لها ما أحسن.