البوليزاريو والتهديدات الأمنية والإرهابية: بين القانون الدولي والتحديات الجيوسياسية

في سياق سلسلة من البرامج الرقمية التي تنظمها مؤسسة مجلس الجالية المغربية بالخارج، بمناسبة اليوم العالمي للمهاجر، نظمت قناة "أواصر تيفي" مائدة مستديرة في موضوع "البوليزاريو والتهديدات الأمنية والإرهابية: بين القانون الدولي والتحديات الجيوسياسية" مساء الأحد 20 دجنبر الجاري، حيث قام بتسيير الندوة حاتم بوعزة، أستاذ وباحث بجامعة الملك خوان كارلوس، مدريد، إسبانيا.
عرفت المائدة المستديرة مشاركة خبيران إسبان في الموضوع، وهما لورينثو بنياس رولدان، محامي دولي معتمد في قضايا الإرهاب والأمن الدولي، أستاذ وباحث بجامعة مورثيا الإسبانية، وخوصي ماريا خيل، أستاذ جامعي وخبير دولي في قضايا الإرهاب والأمن الدولي، المدير المشارك للمرصد الدولي للأمن، مدريد.
تميزت مداخلة اعتبر خوصي ماريا خيل بالعودة إلى العديد من الأحداث التاريخية التي تسلط الضوء على البعد التخريبي في مشروع جبهة البوليساريو، متوقفا عند أمثلة ووقائع جرت في عدة مناطق، تورطت فيها الجبهة، أفضت على سبيل المثال لا الحصر، إلى سقوط ضحايا إسبان، فاق عددهم 300 ضحية، سواء تعرضوا للخطف أو القتل أو التعذيب أو الغرق في البحر، قرب سواحل جزر الكناري، وقد ذكر خوصي ماريا خيل مجموعة أحداث بالأسماء والتفاصيل، بل توقف عند المتابعات القضائية والحقوقية التي واكبت هذه الاعتداءات.
واعتبر المتدخل أن ولادة الجبهة، مرتبطة أساسا بسياقات الحرب الباردة، حيث كان القوى العظمى توظف هذه الأحداث لخلخلة خرائط المنطقة، كما أكد أن عناصر الجبهة متورطة اليوم في قضايا الإرهاب، وذكر على سبيل المثال، عدنان الصحراوي، زعيم تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء، وهو عضو سابق في الجبهة، ومتورط في قتل أربعة جنود مؤخرا في مالي.
وخوصي ماريا خيل للتذكير، هو مؤلف كتاب مرجعي حول المشروع التخريبي للجبهة، وعنوان الكتاب "ما تخفيه جبهة البوليساريو"، وتوقف فيه عند مصير 289 جثة إسبانية، قتلوا واختطفوا وأغرقوا عمدا من طرف الجبهة، في عمليات إرهابية تعرضت لها ستون سفينة إسبانية في تلك الحقبة، مضيفا أنه لا يمكن لأي مسؤول أو فاعل سياسي إسبانيا أو غيره، يدافع برومانسية عن هؤلاء، أن يخفي هذه الوقائع التاريخية، لأنها أكبر من الإنكار، موجها الدعوة إلى ضرورة إنصاف هؤلاء الضحايا، وأن تسليط الضوء على هذه الوجه التخريبي للجبهة، هو وجه من أوجه الإنصاف، عبر إخبار الرأي العام الإسباني والمسؤولين هناك، دون الحديث عن ورط الجبهة في استغلال المساعدات المالية والغذائية التي كانت تتوصل بها من الخارج، وخاصة من إسبانيا، مطالبا بالتحقيق في استثمارات أعضاء الجبهة في جزر الكناري وهي استثمارات تؤكد مصير هذه المساعدات، ومنتقدا صمت البرلمانيين الإسبان، برلمان الكناري، الأحزاب اليسارية، ومنها اليسار الجهوري، لجان تقصي الحقائق، ومسؤولين آخرين، طبقوا الصمت عن هذه الاختلالات التي تكسف حقيقة الجبهة.
كما اعتبر خوصي ماريا خيل أن هناك بصيص أمل خلال السنين الأخيرة، ومعها التطورات الأخيرة، لكي يتم طي هذا الملف بشكل نهائي، خاصة أن المنطقة تعج بالقلاقل الأمنية والإجرامية، من قبيل الاتجار في المخدرات والاتجار في البشر وظاهرة الإرهاب، ولا يمكن القبول بمشاريع تخريبية، تساهم في تغذية هذه القلاقل، معتبرا أن المتتبع الذي لم يقم بزيارة منطقة الصحراء، صعب عليه أن يستوعب هذه المعطيات، لولا إنه يتحدث انطلاقا من خبرة ميدانية ومتابعة دقيقة للملف منذ عقود.
من جهته، توقف لورينثو بنياس رولدان بدوره عند مجموعة اعتداءات إرهابية تورطت فيها الجبهة، وذكر أيضا مجموعة أحداث أفضت إلى اعتداءات على سفن إسبانية وسقوط ضحايا إسبان، وخاصة ماء جرى في سنة 1976، معتبرا أنه لا يمكن الصمت قط عن هذا الماضي، ومتوقفا عند السياقات السياسية لتعامل الحكومات الإسبانية مع مشروع الجبهة، ومن ذلك فتح مكتب يمثلها، نتيجة ضغوط التيار الرومانسي واليساري والحقوقي على الخصوص، دون أن يصل الأمر إلى فتح سفارة أو قنصلية.
وتوقف لورينثو بنياس رولدان مرارا عند محدد النزعة الرومانسية الطاغي على بعض الفاعلين الإسبان بخصوص التعامل مع جبهة البوليساريو، معتبرا أن هذه النزعة توظفها البوليساريو من أجل نشر الأخبار الزائفة وممارسة التضليل الإعلامي والحقوقي، الذي يجد صداه لدى نسبة من الرأي العام، منوها بما صدر عن رئيس الحكومة الأسبق فليبي كونزاليس، الذي كان صريحا في التصدي لهذا الخطاب، معتبرا حينها أن الواقع التاريخي والسياسي يفيد أن المنطقة تقع تحت حكم السلطات المغربية، وأن الجبهة لا تملك شيئا حتى تدعي ممارسة السيادة، بدليل تورط إبراهيم غالي في قلاقل تجعله ممنوعا من زيارة إسبانيا بمقتضى القانون.
توقف المتدخل أيضا عند أحداث مخيم أكديم إزيك، وأشار إلى نقطة هامة جدا، متداولة عند بعض الخبراء الاستراتيجيين، مفادها أن تلك الأحداث، تندرج ضمن مشاريع أجنبية، كان هدفها حينها إطلاق أولى شرارات ما اصطلح عليه لاحقا بأحداث "الربيع العربي"، وتحدث لورينثو بنياس رولدان بالتفصيل عن الموضوع، متوقفا عند طبيعة التنظيم والتنويل والإعداد والإشراف، متهما السلطات الجزائرية صراحة بالوقوف وراء العملية، معتبرا أننا كنا إزاء حرب عصابات حقيقية، كشفت الوجه الحقيقي للجبهة، التي لم يتردد عناصرها في القيام بممارسات غاية في الشناعة والدنائة من قبيل التبول على من القتلى المغاربة في تلك الأحداث.
توقف المتدخل أيضا عند بعض السياقات التاريخية للملف، من قبيل منعطف 2001 عندما اعتبرت الأمم المتحدة أن الصراع يجب أن تتم تسويته بطريقة تفاوضية، قبل قدوم منعطف مغربي رسمي، عنوانه مقترح الحكم الذاتي.
واختتمت المائدة المستديرة بالتوقف عند المستجدات الأخيرة الخاصة بالصحراء المغربية، حيث اعتبر خوصي ماريا خيل أن القرار الأمريكي القاضي بالاعتراف بمغربية الصحراء، كان قويا ومفاجئا، ويصب في القرارات التي سيكون لها ما بعدها على القرارات الدولية في تدبير الملف، إضافة إلى أنه يؤكد أن المغرب دولة وازنة، ولديها مؤسسات، وحققت مكاسب، وها هي بعض نتائج هذا العمل بدأت تظهر للوجود، بدليل شروع دول أخرى في تغيير مواقفها من الملف، دون الحديث عن فتح القنصليات في الداخلية، وغيرها من المبادرات الدالة.
بخصوص موقف الحكومة الإسبانية، فقد اعتبر خوصي ماريا خيل أن إسبانيا تمر من وضعية حساسية سياسيا، خاصة أن الحكومة الحالية تبقى حكومة ائتلافية، داعيا صناع القرار الإسباني بأن يكون الموقف الإسباني أكثر قوة في الطرح، خاصة أن المغرب يحقق مكاسب حقيقية في الفترة الأخيرة، مع قيادة ملكية تتميز بتبني خيار المرونة الدبلوماسية، وقدرة نوعية في التفاوض والصبر، كما اتضح في التدبير المغربي الملكي للعديد من الملفات الإقليمية والدولية.
أما لورينثو بنياس رولدان، فاعتبر أن الموقف الأمريكي الأخير يترجم دعما أمريكيا صريحا للموقف المغربي في الصراع، وهو قرار يدعم بالتالي المؤسسة الملكية، ويغذي خيار الحكم الذاتي الذي أعلن عنه المغرب.
بخصوص الموقف الإسباني، فقد اعتبر لورينثو بنياس رولدان أنه لا زال حذرا من الملف، منوها بما جاء في مداخلة زميله في المائدة المستديرة، وخاصة المكاسب التي يحققها المغرب خلال الآونة الأخيرة، بما فيها المكاسب المرتبطة بالشق الديني، حيث اعتبر أن المغرب الدولة الوحيدة في المنطقة التي تعترف بأن اليهودية جزء من الهوية المغربية، وبمقتضى الوثيقة الدستورية، إضافة إلى وجود طائفة يهودية في المغرب، بمؤسساتها، مغذية التميز المغربي في تدبير هذه القضايا الشائكة.