FR AR
شارك على :

الاحتفاء برأس السنة الأمازيغية...دلالات وآفاق

بقلم / د.إبراهيم أونبارك
باحث في  الفعل السياسي وقضايا  تدبير التراب
اتخاذ رأس السنة الأمازيغية عيدا وطنيا، وعطلة مؤدى عنها بقرار من أعلى سلطة في البلد،  هو تتويج لمسار طويل من الشد والجذب بين قوى ضاغطة ترفض أن يكون للأمازيغية حقها في موطنها، وقوى تؤمن بحق اللغة والثقافة والتعدد والتنوع المغربي بطبيعته. وجاءت حكمة ملك امتلك جرأة الحسم في قضايا وطنية كبرى، فكان القرار إنصافا لهذا المكون الأساس من مكونات هوية الأمة المغربية. وإذ نحتفل اليوم 14 يناير 2026 بالسنة الثانية من هذا القرار التاريخي الذي جاء تثمينا لمحطات مهمة من تطور تعامل الدولة مع القضية الأمازيغية، منذ خطاب أجدير التاريخي(2001)، والذي يعد بحق، في نظر كل القوى الحقوقية وكل غيور على موقع الأمازيغية، إرادة جديدة من مؤسسات الدولة المغربية في إعادة الاعتبار للأمازيغية، ليس كلغة فحسب، وإنما كثروة وطنية تجمع بين المادي الرمزي، ولا يصح إهمالها إن أردنا تقوية ماضي وحاضر ومستقبل هذه الأرض. لذا كان خطاب جلالة الملك آنذاك في كون الأمازيغية ملك للمغاربة قاطبة، ولا وجود لأي مشروع مجتمعي مغربي لا يحمل هذا المكون الهوياتي محمل الجد. وأكيد كان لهذا القرار الملكي تجلياته في التوجه العام للمؤسسات، توج بترسيم الأمازيغية دستوريا (2011) ليغلق خطاب الدولة وبأعلى وثيقة تشريعية وقانونية الباب على كل من سولت له نفسه اتخاذ قضية الأمازيغية وفق حسابات ضيقة لا تساهم في تقويتها، وإنما في الإضرار بها وبالأمة المغربية.
ليكون الاحتفاء ب"إيض ن ننير" أو بداية السنة الأمازيغية الجديدة مدعاة فخر لأنه يحمل رسائل ودلالات ورهانات، كما يتضمن أيضا آفاقا لمغرب مختلف من حيث تقوية مقوماته الداخلية لمجابهة التحديات الخارجية، ومن أهم ما ربحناه في هذا الاحتفال التاريخي وسن هذه السنة الوطنية العتيدة نذكر:
-    يعد ترسيم  رأس السنة الأمازيغية يوما فارقا من حيث موقع "الأمازيغية" في الكيان المؤسساتي للدولة المغربية، إذ ستجسد حضورها وفق منظور يزيل عنها طابع "الغرابة" التي ظلت تسكنها ولمدة طويلة،
-    الاحتفاء برأس السنة الأمازيغية، ليس فقط مناسبة وطنية، وإنما أيضا جرأة في تصحيح مسار أمة كادت أن تختزل تاريخها في زمن قصير جدا، بالمقارنة مع عمقها التاريخي، الذي يتجاوز حدود ما تم تسطيره من لدن فئات تجهل، عنوة أو تجاهلا أصالة أمة ضاربة في أبعاد لغوية وثقافية تجمع بين شاسعة المتوسط والغنى الإفريقي،
-    الاحتفاء برأس السنة الأمازيغية تصويب لـ "شبه صراع" بين أطراف تريد ربط المغرب، تارة بوجهة مشرقية، وتارة أخرى بوجهة غربية، فكان القرار الملكي حاسما في كون هذا البلد ليس شرقيا ولا غربيا، بل هو أمة قائمة الذات، ولا تحتاج إلى من يقوي هويتها أو يطعم كينونتها ووجودها، وأن انفتاحها على الأمم والحضارات الأخرى، لا يلغي البتة خصوصياتها،
-    عيد 14 يناير، هو نتاج معركة وطنية، قادها نضال مغربي، يعترف بقوة الماضي في توطيد الحاضر وربح رهانات المستقبل، لذا، كان القرار ردا موضوعيا لمن يرى أن المملكة المغربية تعاني تشرذما هوياتيا، لأنها تسير، في نظره طبعا، دون هواه الخاص، نحو التشتت، ناسيا أو متناسيا أن تكتلنا نابع من التداخل بين مكونات متعددة. مثلما سيكون لهذا التاريخ ما قبله، وما بعده، لاسيما من حيث توحيد الهوية المغربية، والذي يقتضي ترسيم المكون الأمازيغي، لأن الإهمال الذي لحقها لعقود ، بل لقرون، لا يخدم حماية الهوية المغربية، بل يعد إقصاءً مباشرا لجزء مهم من هوية أمة.
-    الاحتفال برأس السنة الأمازيغية لا ينافس أي مكون آخر من مكونات الهوية الوطنية، بالعكس،  يعد هذا الاحتفاء رمزا من رموز استكمال هوية مغربية بتعددية ضاربة في العمق التاريخي لهذا الوطن،
-    الاحتفاء برأس السنة الأمازيغية في عيدها السنوي، ليس نتاج إملاءات داخلية أو خارجية، بل اعتراف بحقيقة تاريخية لأمة مغربية عريقة لا تقبل إقصاء أي مكون من مكوناتها. كما لا تقبل أن يتدخل أي كان في شؤونها الداخلية عبر إملاءات توجيهية من أجل الاعتراف بلغة أو ثقافة من ثقافاتها الوطنية،
وهكذا يدخل هذا الاحتفاء سنته الثانية (14 يناير 2026)، بعد الإعلان التاريخي الذي كان في صيغة بلاغ ملكي، يخبر المغاربة بحدث سيظل مؤرخا كل سنة باحتفالات وتظاهرات وتكريمات وتشريفات تمتد من شمال المغرب إلى جنوبه، ولا تخص منطقة دون غيرها ولا مواطنا دون غيره، بل تسجل الملاحظة الميدانية أن جل المغاربة منخرطون في وحدة وطنية، وجلهم مارسوا طقوس الاحتفال في مناخ خال من المشاهد التي تجعل مؤسساتنا الأمنية تستنفر  أجهزتها مثلما يقع عادة في مثل هكذا مناسبات
كما تطرح لحظات الاحتفال هذه آفاقا نحو إتمام مشروع أجرأة حضور الأمازيغية، لغة وهوية وتراثا ماديا ورمزيا لأمتنا المغربية العمل على مداخل، منها:
-    إتمام مشروع مأسسة التعامل باللغة الأمازيغية في الوثائق والمؤسسات الرسمية للدولة، وهذا يقتضي رفع وتيرة تكوين جل الأطر العاملة بالإدارات المركزية والجهوية والمحلية، والتعامل مع استعمال اللغة الأمازيغية كحق وكواجب وطني، وليس كخيار أو إجراء إداري يمكن إلغاؤه في أي لحظة تحت مبرر عدم فهم اللغة، في حين يتم التداول بلغات أجنبية داخل الإدارة رغم ضعف تكوين الموظفين في هذه اللغة أو تلك ،
-    التفعيل الجدي والفعال لتدريس الأمازيغية في المدرسة المغربية، العمومية والخصوصية على حد سواء، وفي مؤسسات التكوين حتى يتسنى لنا الرفع من عدد المدرسين والمؤطرين لهذه اللغة الوطنية،
-    تقوية حضور الإعلام في توعية المواطنين والمواطنات بأهمية اللغة والثقافة الأمازيغيتين في بناء الشخصية الوطنية وتكريس فخر الانتماء وتوطيد اللحمة الوطنية كخيار استراتيجي لمواجهة التحديات الخارجية، والتي لن تبدو سهلة في سياق عالمي يهوى التسلل لتفكيك الصلابة الداخلية للأمم والمجتمعات،
-    وضوح الخطاب السياسي للمؤسسات والأحزاب المغربية، حتى لا يتم اتخاذ هذا المكون الهوياتي أداة إيديولوجية أو عامل انتخابي مربح للظفر بأكبر عدد من الأصوات، لأن الهوية الوطنية بكل روافدها اللغوية والدينية والعرقية والجنسية لا تقبل المساومة، بل يجب على الخطاب الحزبي والفعل السياسي أن يكون في خدمة هذه المكونات، لن أن يُستغل في حسابات ضيقة، تخدم مصالح ذاتية وآنية، لن تساهم إلا في المزيد من إبعاد المواطنين والمواطنات من العمل الحزبي والانخراط السياسي، وبالتالي الابتعاد عن الاهتمام المؤسساتي بقضايا الوطن.    أسكاس إغودان(سنة سعيدة) وكل عام وأنتم بألف خير.

Partager sur :