FR AR
شارك على :

البنيات الخطابية الحالية لأحزابنا السياسية

 

إبراهيم أونبارك دكتور في الفعل السياسي وتدبير قضايا التراب - تعج الساحة الوطنية بخطاب سياسي وحزبي، تختلف تمظهراته وتتعدد حسب الظرفية الزمانية والمكانية، وشروط المرحلة، وتشتد حدته وصيحاته ومفاهيميه التي تخرج من رحم تصفية الحسابات الضيقة بين  النخب السياسية و"غير السياسية"، لاسيما إذا اقتربت محطات التباري من أجل الظفر بالكراسي التي تمنح لكل منهم فرصة التدخل المباشر في تسيير الشأن العام، وأحيانا تحويله إلى شأن خاص، لا يحق لأحد الحديث فيه قبل إذن مسبق ممن منحتهم "الانتخابات" حق الكلام" بتعبير السوسيولوجي الفرنسي بيير بورديو Pierre Bourdieu.

ليس فحوى حديثنا هذا، هو محاولة للتبخيس من مكانة الخطاب السياسي المغربي وأهميته وتراكمه، ولا رغبة في إعادة نكَْئِ جراح الاختلالات التي  ترسبت على طول تاريخ  الثغرات التي أحدثتها الخطاب الحزبي والانتخابي في جسد وطن سعى منذ مدة إلى الانفلات من سقم لا يريد أن يغادر ساحة إصلاحاتنا، بل محاولة للبحث عن تحديد بنية خطاب تحكمه الشروط الشكلية والمضمونية لمرحلة تختلف، لا محالة، عن المراحل، وعن البنى السابقة لهذا الخطاب. وإذا كانت المناسبة شرط، فظهور هكذا قراءات لما تعج به ألسنة الفاعلين السياسيين، سواء أولئك الذين يسعون للحفاظ على صحوة خطابهم في إطار قوالب وأنماط تفكير، يستمدونها من إلحاحهم لضرورة الاحتفاظ على مبادئ الحزب وتاريخه وخطه النضالي، أو أولئك الذي يعرفون كيف ينتقلون بلا هوادة من منعرج خطابي إلى آخر، وأحيانا من حزب إلى آخر، ومن "أغلبية" إلى معارضة"  إلى حد تبدّى لنا أن نخلق تموقعا جديدا اسمه " المُعَا -غَلبيَّة"، أي التأرجح المستمر بين خطابين/ خطابات متناقضة لكن مُنتجُها لا يحس البتة بأي إحراج.

إن مواكبة أنماط الخطاب الذي يصدره ""الفاعل الحزبي" اليومي، ينم عن تركيبة أو بنية خطابية، تكاد تشمل جل الأحزاب السياسية، مع اختلافات طفيفة، بغض النظر عن الموقع أو الانتماء الحزبي أو المرجعية التاريخية أو التجربة الحزبية أو السياسية، وتشترك عموما في تجليات عدة، منها:

-سلطة الخطاب أولى من سلطة الفعل:  لا يشك كل مهتم بالشأن التدبيري  وبالتخصصات المرتبطة بالسياسة عموما ( الفلسفة السياسية، علم الاجتماع السياسي، الجغرافية السياسية علم الاقتصاد السياسي، ...) أن هذا الخطاب يبحث دوما عن سلطته بين كلماته ومفاهيمه ومعانيه، قبل أن يراهن على مصداقية الواقع أو التغيير الذي يتوخى إحداثه. لذا، يكون انتقاء الكلمات أحيانا أهم من انتقاء المشاريع، وصناعة اللغة التي بها يواجه المنتخب الحزبي معارضيه وبقية المواطنين، أهم أحيانا من البرامج التي تسطر للتنمية، هنا يكون الوازع السياسي والحزبي والانتخابي امتلاك "سلطة الخطاب" كمدخل لنيل الأصوات أو افحام المحاورين، وكلما كان الصراع تاريخيا بين حزبين او أكثر، بين زعيمين أو أكثر، كلما انتعش رهان الخطاب الحزبي الذي يسقط نحو الشعبوية بما نعني بها هنا، من "ذاك الخطاب الذي يغتني بوجود مناخ يسمح بتوجيه السياسة الحزبية نحو إفراغ خطاب الآخر من محتواه بشكل مقصود وموجَّه سلفا" أي بمعنى أقرب كثيرا مما تحدث عنه بيير برنبوم Pierre Birnbaum في كتابه المعنون  بـ: Genèse du populisme، وأحيانا أخرى، نحو الديماغوجية التي تراهن على تقديم " الحس التظلمي" كمدخل للانتصار،

- زعيم الحزب هو أسلوبه: لم يكن جورج لويس دو بوفون  G.L. du Bouffon يقصد بتحليله للأسلوب كمدخل لتفكيك باطن الإنسان وظاهره، يعلم حينما قال: " الأسلوب هو الإنسان" le style , c’est l’Homme   أن الزعامات السياسية الحزبية تخلق وحدها أسلوبا يحدد نمط توجه الحزب، وهذا ما تبدَّى جليا خلال العقدين الأخيرين، داخل الحقل السياسي والحزبي المغربي، إذ يصبح تفكير الحزب وأسلوب معالجته لمختلف القضايا المحلية والوطنية والدولية يكون ذاته، ويُطبع بالسَّمت "الشخصي" للزعيم الحزبي" الذي عادة ما يكون ممثلا/مسيرِّا للحزب لأكثر من ولاية واحدة. هنا لا نتحدث فقط في التوجه النقدي الذي يتناول "مسألة الديموقراطية الداخلية" الحزبية، والتناوب على التسيير وعلى الأمانة العامة أو الكتابة العامة للأحزاب المغربية، فهذا موضوع آخر( يستحق مقالا مستقلا)، بل يثير مدى قدرة الحزب على تنويع طرقه وأساليبه وقاموسه السياسي والانتخابي، حتى يأخذ الحاجيات الجهوية والمحلية برؤية  تختلف عن تلك التي تهم الدفاع عن التحديات الوطنية مثلا. فوحده "زعيم الحزب" يضع السياق والأسلوب والطرق والنظرة والتصور، ووحده يحصد نتائج إنجازات الحزب وزلاته، ووحده يخلق سمعته في سوق المنافسة الحزبية.  وأحيانا يكون مجبرا على تحمل عبء هذه التمثيلية التي تنتهي من لدن منتقديه، إلى شخصنة مفرطة. لذا تكاد أغلب الأحزاب السياسية اليوم تُختزل، لا في أسمائها أو رموزها أو مرجعياتها أو تاريخها، بل في أسماء زعمائها، وأحيانا يظهر قاموس نقدي لإثبات مدى ضعف الحزب أو عدم رضا المواطنين عن طريق "تشويه اسم الزعيم/ الأمين العام كدلالة على غضب شعبي يتحول إلى تنكيت سياسي لا ينتهي. بل سنجني تداعيات "اختزال الحزب في زعيمه" عبر سلوك انتخابي محلي( على مستوى الدوائر والأقاليم والجهات) تختزله الساكنة في جملة بسيطة، لكنها ذات دلالة: " نحن لا نعرف اسم الحزب أو تاريخه، نحن نعرف "فلان"، وهو من سيدلنا على الرمز الذي سنختاره قبيل الشروع في التصويت".

- تجديد العداوة فرصة للانتعاش: يراهن الخطاب الحزبي على البحث الدائم عن "الأعداء"، سواء أكانوا أعداء بالمعنى الإيديولوجي، أي الاختلاف في المرجعيات التقليدية أو التجربة الشخصية للزعماء، أو ميلاد العداوة جراء صراع سياسي أو تدبيري عابر  في تجربة حكومية جمعت الأطراف في لحظة معينة، فتكون فرصة تصفية الحسابات مواتية لتجديد تبادل "خطاب الفشل". وتُعد سياسة " صناعة العدو" حتى وإن كان وهميا، إحدى الآليات الفعالة في التجارب السياسية عموما، لأنها تقوي شوكة الداخل، وتوجه النظر نحو  قضايا، قد تبدو تافهة، أو "أشباه قضايا"  وأحيانا، قضايا، لم تعد مشكلات تقتضي الحل أو التفكير الجماعي.  كما أن مبدأ " لا وجود لعدو دائم ولا لصديق دائم، وإنما لمصلحة دائمة"، يبدو واهيا في الخطاب السياسي والحزبي المغربيين، إذ لا يستطيع إلى حد الآن ممارسة الرهان السياسي القادر على التحلي بالوضوح، لذا، يغلب على الخطاب الحزبي (سواء في البرامج أو الحملات الانتخابية أو حتى في بعض حوارات الزعماء السياسيين، ...) ذاك الاندفاع الذي يكرس العداوة أكثر من المصلحة، و تنتصر الأنانية الحزبية دوما على إمكانية جعل المصالح المتبادلة، والتي يستفيد منها الحزب والمواطن و الوطن، مجرد معادلات يشوبها  "الغموض في الخطاب" جراء الغموض الملحوظ في الرؤية. كما أن  الصراع السياسي والحزبي، لا ينطلق في هذا السياق، من صراع اثبات الرؤية التنموية أو تقديم بدائل واضحة ومباشرة لتصحيح الوضع الذي خلقه "المنافس"، بل يقتصر الصراع على الاتهام المتبادل في كون كل منهما لا "يخدم مصلحة المواطنين" وكل يعترف أن " المواطن أصبح ذكيا بما فيه الكفاية لإدراك  من يرغب في مصلحته". لكن ما يظل غائبا – عن قصد أو دون قصد- أن المواطن فعلا، أدرك أيضا اللعبة التي تُنسج في خطاب حزبي وسياسي هزيل، يحتاج إلى تفكير أعمق لإنتاج خطاب بديل، يقينا من تهافت الخطاب الذي يصنع  من الصديق عدوا، ويحوِّل العدو إلى صديق سياسي، في انتظار ميَلان كفة النتائج الانتخابية، لإعادة رسم خريطة عداوة وصداقة جديدتين، وهذا ما يفسر حتى الترحال الحزبي وانتقال "أعيان" السوق الانتخابية من حزب إلى حزب، دون إحساس بأي احراج أو تناقض، لأن ما يحكم الأحزاب، يحكم أيضا، الأشخاص الراغبين في الدخول إلى حلابة الصراع الحزبي والسياسي.

- ترديد الخطاب التنموي دون تصور حزبي واضح:  تتبدى في الخطابات المنتجة من لدن الكثير ممن يتولى مهمة الحديث باسم الأحزاب السياسية، سواء في سياق الدفاع عن برامج نُفذت، أو معارضة مشاريع قوانين داخل المؤسسات التمثيلية، أو في إطار حوارات ذات البعد الإعلامي، كلها تكشف، في أغلب الأحيان، تمظهرات لغياب أي مرجعية تأطيرية، تحافظ على هوية حزبية واضحة، إلا في فترات عابرة. طبعا لا يعتبر هذا عيبا من ناحية تطور الخطاب السياسي والحزبي عموما، ما يعاب على المؤسسات الحزبية في هذا السياق، في نظرنا، هو غياب قراءات تحليلية أو تصورات حزبية خاصة – في أغلب الأحزاب السياسية ودون تعميم- لمختلف البرامج التنموية التي باتت الدولة وحدها تسطرها وتجعل الأحزاب تنفذها دون حضور لهوية حزبية توجيهية في هذا السياق. و لتوضيح ذلك، تمنينا أن تصيغ الأحزاب خطابا سياسيا يقدم الرؤية التنموية والحزبية لمفاهيم مثل: النموذج التنموي، التنمية الترابية، العدالة المجالية، الجيل الجديد من برامج التنمية المندمجة،.... واليوم نحن في حاجة إلى بروز تصورات حول الخطاب التنموي التي تبتغي المؤسسات الحزبية، من خلال ممثليهم انتاجه، لما ستباشره "الشركات الجهوية للتنمية الترابية" مثلا. وعموما، كثيرا ما نجد الخطاب السياسي، لا يقوم إلا باستهلاك الخطاب التنموي "الإداري" دون ظهور محاولات لتقويته عبر التجربة السياسية أو التدبيرية  التي ركمها هذا الحزب أو ذاك على صعيد مختلف مستويات التسيير، محليا، جهويا ووطنيا. أو حتى على مستوى مواكبة  الخطاب الحزبي والسياسي لدول، نجحت بفضل خطاب حزبي  يحمل برامج، غيرت الواقع نحو الأفضل. وهذا الغياب للمسة حزبية، سواء في تعريف أو تفكيك خطاب التنمية وبنيات المشاريع  والمخططات التي نُفذت  دون وضع الأحزاب لتقييم مباشر وفعال، هو ما يفسر تشابه البرامج قُبَيْل الاستحقاقات الانتخابية، حيث تصل أحيانا، حد النسخ، في تشابه  لا يراعي الخصوصيات الجهوية، بل يردد  العموميات التي تستهدف دغدغة عواطف الناخبين أكثر، منها مشاريع لتغيير الفضاءات الترابية في المدن والقرى.

وإذا كانت هذه البنيات أو المداخل هي ذاتها تقريبا في مختلف الأحزاب السياسية، بغض النظر عن تموقعها في الأغلبية أو المعارضة، أو في كونها داخل الحكومة أو خارجها، فهناك طبعا أشكال أخرى من البنيات الخفية التي تشترك فيها هوية الخطاب الحزبي رغم بساطتها، كتغذية الخطابات الحزبية بالأحداث العابرة، سواء، أكانت دولية أو محلية، العمل على إحداث" قطائع خطابية"، أي غياب خطاب مسترسل، يفرز الانسجام بين القضايا ومسبباتها ونواقصها، نتائجها ثم الحلول الممكنة لتجاوزها، بل ينتقل الخطاب(سواء  مع المنتمين  أو المتعاطفين، أو في برامج خطابية أو حوارية ذات بعد إعلامي، ..) من مشكلة إلى أخرى، ومن إثارة "خيط ناظم لمشكلة تنموية ما"، ثم ما يلبث يتحول إلى تشخيص يليه "إغلاق الموضوع" ليتم استبداله بموضوع أخر، وهذا يجعل المتلقي، حتى في أوج بساطة فهمه، يدرك أن  زمن اللقاء أو الخطاب أهم من فحوى الخطاب ذاته.  أي أن خطاب النخبة الحزبية، هو خطاب من أجل الخطاب وليس من أجل إحداث التغيير.

إن تاريخ الأحزاب السياسية، عموما، وما حققته من تراكم تاريخي وتدبيري، وما تلقته من انتقادات، سواء، من المؤسسات الدستورية التي أماطت اللثام غير ما مر، عن ضعف المكون الحزبي،  أو من لدن المواطنين والمواطنات، الذين أبانوا عن نضج سياسي غير مسبوق. وأيضا من خلال قدرة أحزابنا السياسية على استثمار نضجها السياسي والتنموي، وقدرتها على إعادة تشخيص هشاشتها الداخلية قبل التفكير في هشاشة المجال، وأيضا الرفع من مستوى تطلعاتها، لتكون حقا، طرفا لا محيد عنه في تدبير الوطن،  يجعلها قادرة لتأكيد حضورها، وتبرهن فعلا، أن من يتوخى اضعاف المؤسسات الحزبية، يضعف المناخ الديموقراطي ومعه كل القوى والكفاءات، التي بإمكانها أن تساهم أكثر، لنستمر جميعا  في تحقيق برامجنا ومشاريعنا التنموية دون اقصاء لأي فاعل ترابي.

 

Partager sur :