بعض الناس لا يخافون السقوط… بل يخافون أن يسقطوا ولا يجدوا من يلتقطهم.
تخيّلوا أن في هذا الكون أناساً لا يخافون التعب بقدر ما يخافون لحظة السقوط.
لا لأن السقوط موجع في حدّ ذاته، بل لأنهم يعرفون جيداً أنه حين يحدث، لن تكون هناك يد تمتدّ إليهم، ولا كتف يُسندهم، ولا حضن يرمّم ما تكسّر في داخلهم.
في حياة بعض البشر، لا يكون الضعف رفاهية مسموحاً بها.
يمشون في هذه الحياة بحذر من يعرف أن التراجع خطوة واحدة قد تكلّفه الكثير، لأن خلفه لا يقف أحد ينتظر أن يحمله إن تعثّر.
هناك من يتعب مثل الجميع، بل أكثر.
لكنه يتعلم كيف يخبّئ تعبه في أعماقه، كيف يبتسم وهو مثقل، وكيف يقول: أنا بخير بينما في داخله صمت طويل لا يسمعه أحد.
ليس لأنهم أقوياء دائماً…
بل لأنهم لا يملكون خيار الضعف.
فالإنسان حين يعلم أن هناك من سيحتضنه إن انكسر، يسمح لنفسه أحياناً بأن يتعب، بأن يبكي، بأن يتوقف قليلاً.
أما حين يعرف أنه إن سقط فلن يجد من يجمع شتاته، فإنه يشدّ على نفسه أكثر، ويواصل السير وكأن السقوط ممنوع عليه.
ولهذا ربما يبدو موقفي أحياناً للبعض نوعاً من التمرّد.
وأعترف أنني كثيراً ما أسأل نفسي:
هل إعلان العصيان على الخطأ تمرّد؟ أم أن السكوت عنه هو التمرّد الحقيقي على النفس والحق؟
قد يفسر البعض دفاعي عن نفسي على أنه خروج عن الرقي الاجتماعي الذي يفضله الناس، أو ردّ فعل لا يليق بالهدوء الذي ينتظره المجتمع.
لكن الحقيقة أبسط وأعمق من ذلك.
ليس لأنني أجهل الرقي، ولا لأنني أعجز عن الصمت،
بل لأنني ببساطة لا أملك رفاهية السقوط.
ولعل ما يجعل الإنسان أكثر حذراً في هذه الحياة ليس فقط غياب من يربّت على كتفه إن سقط، بل شعوره أحياناً بأن هناك في الخفاء من يتمنى له التعثر.
لا أقول ذلك بروح الاتهام، ولكن بوعي التجربة.
فالحياة علمتني أن بعض المعارك لا تُعلن، وأن بعض الهجمات تأتي في صمت، خلف الكلمات الهادئة والوجوه المبتسمة.
ولهذا لم أعد أنتظر من يحملني إن سقطت،
بل صرت أتعلم كيف أتجنب السقوط من الأساس.
إنه ليس خوفاً، بل يقظة.
وليس سوء ظن، بل حذر من واقع تعلّمت فيه أن حماية النفس أحياناً تكون بالانتباه لكل خطوة، وبالاستعداد لكل ما قد يأتي من حيث لا نتوقع.
لهذا، إن بدا صوتي أحياناً أكثر صلابة مما يتوقعون، أو موقفي أكثر دفاعاً عن نفسي مما يرضيهم، فليس ذلك تمرداً على القيم،
بل تمرد إنسان يعرف جيداً أن الكرامة أحياناً هي اليد الوحيدة التي ستسنده إذا تعثّر.
ومع ذلك، يستمر الإنسان في السير.
ليس لأن الطريق سهل، بل لأنه تعلّم أن يصنع من صبره كتفاً، ومن صمته حضناً، ومن إيمانه سبباً للنهوض كل مرة.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة صافية وواضحة:
أن من لا يملك رفاهية السقوط، يصنع من صمته حضناً، ومن يقظته سلاحاً، ومن صبره قوة لا يراها أحد.
قد لا يعرف الناس كم مرة كدنا نتعثر، أو كم مرة أوقفنا أنفسنا قبل أن يطيح بنا أحد في صمت،
لكن يكفي أن الله وحده يعلم أن هناك قلوباً تمشي في هذا الكون وهي تحمل العالم على أكتافها دون أن يتوقف أحد ليرى تعبها،
قلوباً لا تنتظر من يربّت عليها، لكنها ما زالت تحب الحياة، ما زالت تصارع، وما زالت تؤمن أن البقاء صمود… وأن الصمود أحياناً هو أرقى أشكال الحب لنفسك ولمن حولك.
وفي كل خطوة، تعلمنا أن القوة ليست في من يحمينا، بل في من يعرف أن يحمي نفسه حين لا يكون هناك من يحملها.
بقلم: رجاء التوبي – عاشقة الوطن