حين تنقسم فرنسا بين الأربعاء والخميس
في فرنسا، لا ينقسم المسلمون حول عبادة الصيام…
بل حول يوم بدايتها.
هذا العام، سيصوم بعض المسلمين يوم الأربعاء اقتداءً بما أعلنته المملكة العربية السعودية وعدد من البلدان العربية،
بينما سيصوم آخرون يوم الخميس تبعًا لقرارات هيئات إسلامية أوروبية اعتمدت معايير مختلفة في إثبات الرؤية.
في الحي الواحد قد تختلف المواعيد.
في الأسرة الواحدة قد يتعدد الرأي.
وفي المدرسة قد يسأل طفل: لماذا نصوم في يومين مختلفين ونحن نعبد ربًا واحدًا؟
بين النص والاجتهاد
قال الله تعالى:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (البقرة: 189)
وقال النبي ﷺ:
«صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ» (متفق عليه)
النص واضح في ربط الصيام بالرؤية.
لكن العلماء اختلفوا قديمًا في مسألة "اختلاف المطالع":
هل تكفي رؤية بلد واحد لجميع المسلمين؟
أم أن لكل بلد أفقه ورؤيته؟
هذا الخلاف ليس وليد وسائل التواصل الاجتماعي،
بل هو خلاف فقهي قديم، وقع في عهد الصحابة أنفسهم، حين لم يُلزم ابن عباس أهل المدينة برؤية أهل الشام.
فرنسا… اختبار الوعي
في فرنسا، المسألة لا تتعلق فقط بالفقه،
بل بطريقة إدارة الاختلاف.
هناك من يرى أن اتباع إعلان المملكة العربية السعودية يعكس الارتباط بالعالم الإسلامي.
وهناك من يعتبر أن الالتزام بقرار الهيئات الإسلامية في فرنسا هو حفاظ على وحدة المسلمين داخل البلد الذي يعيشون فيه.
والسؤال الحقيقي ليس: من بدأ الصيام أولًا؟
بل: هل نحسن التعامل مع اختلافنا؟
هل هو انقسام أم فتنة؟
الاختلاف الفقهي رحمة إذا بقي في إطار الاحترام.
ويتحول إلى فتنة حين يصبح مادة للتجريح والتخوين.
رمضان لا يحتاج إلى صراع بيانات،
ولا إلى سباق إعلان.
الهلال يولد في السماء هادئًا…
فلماذا نُولد حوله ضجيجًا؟
ما بين يوم ويوم
لن يضيع صيام من صام الأربعاء،
ولن ينقص أجر من صام الخميس.
الله لا يحاسبنا على زاوية الرؤية،
بل على صدق النية.
قد يختلف التقويم،
لكن ينبغي ألا تختلف القلوب.
في فرنسا، حيث المسلمين أقلية،
لسنا في حاجة إلى توحيد السماء بقدر حاجتنا إلى توحيد الصف.
الهلال سيبقى واحدًا،
والشريعة أوسع من ضيق آرائنا.
فلنصم عن التعصب كما نصوم عن الطعام،
ولنفطر على الحكمة كما نفطر على التمر.
بقلمي
رجاء التوبي
عاشقة للوطن