في زمن تتكاثر فيه أسباب الفرقة، وتعلو فيه أصوات الانقسام، يصبح الحديث عن الوحدة مغامرة فكرية، وربما تهمة عند البعض. لكن، وسط هذا الضجيج، لا يزال هناك من يؤمن بأن “المغرب الكبير” ليس مجرد شعار قديم، ولا حلمًا مستحيلًا، بل فكرة حيّة تسكن وجدان شعوب لم تفقد ذاكرتها.
المغرب الكبير لم يكن يومًا مجرد جغرافيا تجمع دولًا متجاورة، بل كان فضاءً إنسانيًا وثقافيًا مشتركًا، تشكّل عبر قرون من التفاعل والتداخل. لغة واحدة، تاريخ متقاطع، عادات متشابهة، وأحلام كانت — وما زالت — أكبر من الحدود المصطنعة.
ورغم كل ما حدث من توترات سياسية وخلافات رسمية، يبقى السؤال الحقيقي: هل تغيرت الشعوب فعلًا؟
الجواب واضح لمن ينظر بصدق: لا. فما زال المغربي يرى نفسه قريبًا من الجزائري، والتونسي من الليبي، والموريتاني من الجميع. وما زالت الأغاني، واللهجات، وحتى النكات، تعبر الحدود دون تأشيرة.
إن الذين لا يزالون يؤمنون بالمغرب الكبير اليوم، هم في الحقيقة حراس فكرة نبيلة، يقاومون موجات التشكيك والتفكيك. هؤلاء لا يعيشون في الماضي، بل يدافعون عن مستقبل مختلف، أكثر تكاملًا وقوة. فهم يدركون أن التحديات التي تواجه المنطقة — من التنمية إلى الأمن إلى الهوية — لا يمكن أن تُحل بمنطق التجزئة.
الوحدة ليست شعارًا عاطفيًا، بل ضرورة استراتيجية. عالم اليوم لا يرحم الكيانات الصغيرة الممزقة، بل يفرض منطق التكتلات الكبرى. ومن يرفض التعاون، محكوم عليه بالبقاء في الهامش.
لكن، وللأسف، هناك من يستفيد من استمرار الانقسام. أطراف داخلية ترى في التفرقة وسيلة للبقاء، وأطراف خارجية تدرك أن اتحاد هذه المنطقة يعني قوة يصعب التحكم فيها. لذلك، يُغذّى الخلاف، وتُضخّم الفروقات، وتُستغل الأحداث — حتى الرياضية منها — لإشعال نار الفتنة.
وهنا يأتي دور الوعي. فالوحدة لا تُفرض من فوق، بل تُبنى من القاعدة. من الناس، من وعيهم، من رفضهم للانجرار وراء خطاب الكراهية. من إيمانهم بأن ما يجمعهم أكبر بكثير مما يفرقهم.
المغرب الكبير ليس مشروعًا سياسيًا مؤجلًا فقط، بل هو خيار أخلاقي وثقافي أيضًا. هو أن ترى في الآخر امتدادًا لك، لا خصمًا. هو أن تنتصر لفكرة “نحن” بدل “أنا”.
قد يبدو الطريق طويلًا، لكن كل فكرة عظيمة بدأت بحلم…
وكل وحدة بدأت بإيمان قلة، قبل أن تصبح قناعة أمة.
فلنكن من هؤلاء القلة.