ليس الموتُ انطفاءً كما نتصوّر،
بل انكشافٌ مفاجئ للستار؛
كأنّ الروح كانت نائمة في جسدٍ ضيّق،
فلما تخلّى الجسد عنها، استيقظت على سَعةٍ لم تعرفها من قبل.
نحن لا نموت لأن الحياة تفنى،
بل لأن الشكل يضيق عن المعنى،
فينكسر القالب، وتفيض الحقيقة.
في التجربة الصوفية،
لا يُنظر إلى الموت كعدوّ،
بل كـ حبيبٍ متأخّر.
هو الموعد الذي طال انتظاره،
حين تسقط الأسماء، وتتلاشى الصفات،
ولا يبقى إلا “هو”.
الموت هنا ليس نهاية السير،
بل ذروته.
ليس سقوطًا،
بل وصول.
يقول الصوفي في سرّه:
موتوا قبل أن تموتوا.
ولا يقصد فناء الجسد،
بل فناء التعلّق:
أن تموت عن الأنا،
عن الوهم،
عن التمسّك بما لا يبقى.
فمن ذاق هذا الموت،
صار حيًّا حياةً أخرى؛
حياة لا تهزمها الفواجع،
ولا تفتك بها الخسارات.
نحن نخاف الموت
لأننا لم نعرف الحياة بعد.
نرتعد أمامه
لأننا حسبناه قطيعة لا عبورًا.
ولو علمنا أنّه تبديل مقام،
لاختفى الجزع من قلوبنا.
كما يخلع المسافر ثوبه الثقيل عند الوصول،
تخلع الروح جسدها
حين تعود.
الموت في عين العارف
عودةٌ إلى الأصل،
وخروجٌ من التفرّق إلى الوحدة،
ومن الضجيج إلى السكون،
ومن السؤال إلى الجواب.
هناك،
لا زمن ينهش اللحظات،
ولا خوف يراقب المستقبل،
بل حضورٌ صافٍ
لا يشيخ.
وحين يموت من نحب،
لا يكون قد غاب،
بل سبقنا.
اختار أن يصل قبلنا.
نحن لا نبكي لأنهم انتهوا،
بل لأننا ما زلنا في الطريق.
فالحزن في جوهره
شوقٌ متنكر،
ودمعة الفقد
صلاةٌ لا تعرف أنّها صلاة.
أيها الموت،
يا معلّم الصمت:
لستَ ضدّ الحياة،
بل مرآتها الأخيرة.
فيك تنكشف الأكاذيب،
وتسقط الأقنعة،
ويُسأل القلب عمّا أحبّ حقًا.
ولهذا
لا تخشاك الأرواح العارفة،
بل تتهيأ لك
كما يتهيأ العاشق للقاء.
وفي النهاية،
الموت ليس أن تفنى…
الموت
أن تعود.
بقلم: رجاء التوبي – عاشقة للوطن