FR AR
شارك على :

القلب المريض... حين يبتعد القلب عن الله

خلق الله القلوب لتكون موطن الإيمان، ومهبط الرحمة، ومحل نظره سبحانه إلى عباده. فهي ليست مجرد عضو ينبض بالحياة، بل هي مركز الهداية والضلال، ومصدر السعادة والشقاء، ومفتاح النجاة والهلاك.

ولذلك لم يكن حديث القرآن عن القلوب حديثًا عابرًا، بل جعلها محور صلاح الإنسان وفساده. فكما تحدث عن القلب السليم الذي ينجو صاحبه يوم القيامة، تحدث أيضًا عن القلب المريض الذي يبتعد شيئًا فشيئًا عن نور الله حتى تغشاه الظلمات.

قال تعالى:

﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾.

إنه مرض لا تراه العيون، ولا تكشفه أجهزة الطب، لكنه أخطر من كل أمراض الجسد، لأنه يصيب البصيرة قبل البصر، والروح قبل الجسد.

والقرآن الكريم لم يحصر مرض القلب في النفاق وحده، بل كشف عن صور متعددة له؛ منها الشك في الحق، وسوء الظن بالله، والحسد، والكبر، والرياء، وحب الشهوات، والتعلق بالدنيا، واتباع الهوى.

يقول سبحانه:

﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.

فالريبة والشك من أول أبواب المرض، لأن القلب حين يفقد يقينه بالله يصبح فريسة للأوهام والوساوس والاضطراب.

ومن علامات القلب المريض أنه ينجذب إلى الباطل أكثر من انجذابه إلى الحق، ويبحث عن مصالحه ولو على حساب مبادئه، ولذلك قال تعالى:

﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾.

ومن أمراض القلوب كذلك الانجراف وراء الشهوات وضعف مراقبة الله، قال تعالى:

﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾.

وقد يبلغ المرض بصاحبه أن يسيء الظن بربه ويشك في وعده، كما أخبر الله عن المنافقين يوم الأحزاب:

﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾.

ولأن القلب المريض يكون أكثر قابلية لتلقي وساوس الشيطان، قال سبحانه:

﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾.

وإذا تُرك المرض دون علاج، قد يتحول إلى قسوة، ثم إلى عمى عن الحق، حتى يصبح القلب مغلقًا لا تؤثر فيه موعظة ولا تهزه آية.

قال تعالى:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾.

وقال سبحانه:

﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾.

لكن رحمة الله أوسع من كل الأمراض، فما دام القلب ينبض فباب التوبة مفتوح، وما دام العبد يطرق باب الله فإن الشفاء ممكن.

وعلاج القلوب ليس في أدوية الأرض، بل في دواء السماء: في القرآن، وفي الذكر، وفي الاستغفار، وفي الصدق مع الله.

قال تعالى:

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.

فالذكر يزيل صدأ القلب، والاستغفار يغسل أدرانه، والقرآن يعيد إليه نوره، والإنابة إلى الله تحرره من أسر الأهواء والشهوات.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل واحد منا على نفسه: هل أخاف على جسدي أكثر مما أخاف على قلبي؟

كم من إنسان يسارع إلى الطبيب إذا شعر بألم في جسده، لكنه لا ينتبه إلى قلب أنهكه الحسد، وأتعبه الكبر، وأفسدته الضغائن، وأظلمته الغفلة.

إن أخطر الأمراض ليست تلك التي تُضعف الجسد، بل تلك التي تُفسد القلب، لأن الجسد مهما مرض فمصيره إلى التراب، أما القلب فمصيره إلى الله.

ولذلك كان الصالحون يخشون على قلوبهم أكثر مما يخشون على أعمارهم، ويكثرون من الدعاء أن يثبتها الله على الحق ويطهرها من كل سوء.

قال تعالى على لسان المؤمنين:

﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾.

وقال سبحانه:

﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.

وقال خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام:

﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ۝ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ۝ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.

فاللهم طهر قلوبنا من الحسد والكبر والرياء والنفاق، وانزع منها الغل والبغضاء، واجعلها عامرة بذكرك، منيبة إليك، مطمئنة بقربك.

فالسعيد ليس من ملك الدنيا كلها، وإنما من نجا بقلبه.
والخاسر ليس من فقد مالًا أو منصبًا، وإنما من وقف بين يدي الله بقلبٍ أفسدته الأهواء وأهلكته الضغائن.

هناك تسقط الأقنعة، وتنكشف السرائر، ويظهر الفرق بين قلبٍ عاش لله... وقلبٍ عاش لهواه.

بقلمي:
رجاء التوبي – عاشقة للوطن

Partager sur :