FR AR
شارك على :

القلب السليم... جواز العبور إلى رحمة الله

حين يتحدث القرآن عن النجاة يوم القيامة، لا يجعل الميزان مالًا ولا جاهًا ولا نسبًا، بل يجعل المعيار الحقيقي شيئًا يسكن في أعماق الإنسان: القلب.

قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ۝ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.

إنها رسالة عظيمة تختصر رحلة الحياة كلها. فكم من إنسان شغل عمره بجمع الأموال، وكم من آخر تفاخر بأولاده ومكانته بين الناس، ثم يأتي يوم يقف فيه الجميع مجردين من كل شيء إلا ما حملته قلوبهم من إيمان وصفاء وصدق.

القلب السليم ليس قلبًا لم يعرف الألم، بل قلبًا عرف الألم فلم يتحول إلى حقد. وليس قلبًا لم يتعرض للظلم، بل قلبًا تعرض له فاستعصم بالله ولم يملأ صدره بالكراهية. وليس قلبًا بلا ذنوب، بل قلبًا كلما أخطأ عاد إلى ربه تائبًا منيبًا.

ولهذا وصف الله أهل الجنة بقوله: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾. فالإنابة هي عودة القلب الدائمة إلى الله، كلما ابتعد رجع، وكلما ضعف استغفر، وكلما تعثر نهض متوكلاً على مولاه.

القلب السليم ينجو من جهنم لأنه لم يجعل بينه وبين الله حجابًا من الكبر أو الحسد أو الغرور. ينجو لأنه حمل التوحيد خالصًا، وأحب الخير للناس كما يحبه لنفسه، وعفا حين استطاع الانتقام، وتواضع حين أغرته الدنيا بالتكبر.

أما الأعمال الصالحة من صلاة وصيام وصدقة وذكر، فهي ليست غاية في ذاتها، بل وسائل لتزكية القلب وتطهيره. فالصلاة الحقيقية تنهى عن الفحشاء والمنكر لأنها تحيي القلب. والصيام يعلم القلب الصبر والإخلاص. والصدقة تطهره من الشح والبخل. والذكر يزيل عنه صدأ الغفلة حتى يصبح أكثر قربًا من الله.

وقد يدرك الإنسان سرًا عظيمًا: أن أخطر ما يهدد مصيره ليس فقر المال، بل فقر القلب. وليس ضياع الفرص، بل ضياع الصلة بالله. لذلك كان الصالحون يهتمون بإصلاح قلوبهم أكثر من اهتمامهم بإصلاح أحوالهم، لأن القلب إذا صلح صلح الجسد كله، وإذا استقام مع الله استقامت الحياة كلها.

القلب السليم لا يحمل ضغينة، ولا يفرح بأذى الناس، ولا يتمنى زوال النعم عن أحد. يعيش مطمئنًا لأن صاحبه يعلم أن الأرزاق بيد الله، وأن ما كتبه الله له سيأتيه ولو اجتمع أهل الأرض على منعه.

وفي يوم القيامة، حين تتساقط الأقنعة وتنكشف الحقائق، لن يسأل الإنسان عن عدد من هزمهم في الدنيا، بل عن حال قلبه بين يدي ربه. هناك ينجو أصحاب القلوب السليمة، وتفتح لهم أبواب الرحمة، ويقال لهم: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾.

فاللهم ارزقنا قلبًا سليمًا، ولسانًا ذاكرًا، ونفسًا مطمئنة، واجعلنا ممن يخشونك بالغيب ويأتونك يوم القيامة بقلوب منيبة، طاهرة من الحقد والكبر والرياء، مملوءة بحبك وحسن الظن بك.

بقلمي: رجاء التوبي – عاشقة للوطن

Partager sur :