FR AR
شارك على :

دراما أوبرفيلييه: عندما تتحوّل كراهية الدولة إلى سلوك في الشارع

لم تكن مشاهد أوبرفيلييه مجرد لحظة عابرة في خضم احتفالات رياضية. فقد تحولت ليلة الرابع من يوليوز 2026 إلى لحظة صادمة بالنسبة للعديد من أفراد الجالية المغربية في فرنسا، بعدما شهد حي «الكاتر شومان» حادثًا أثار موجة استنكار واسعة، عقب تداول مقاطع تُظهر تمزيق وإحراق العلم المغربي وسط أجواء احتفال جماهيري بفوز المنتخب المغربي على نظيره الكندي (3-0) في كأس العالم.

وبحسب ما تم تداوله، فقد تورط أشخاص عرّفوا عن أنفسهم بأنهم جزائريون في الاعتداء على رمز وطني مغربي، كما تعرضت بعض النساء اللواتي كن يرتدين قمصان المنتخب المغربي، رفقة أطفالهن، لمضايقات وإهانات لفظية. وانتقلت القضية سريعًا من منصات التواصل الاجتماعي إلى المؤسسات الرسمية، بعدما تقدمت سفارة المغرب في فرنسا بشكوى لدى السلطات الفرنسية للمطالبة بالتحقيق واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

عندما يغادر الخلاف السياسي مكاتب الدبلوماسيين

لطالما شكلت العلاقات المغربية الجزائرية ملفًا معقدًا تحكمه خلافات سياسية عميقة، خصوصًا منذ سبعينيات القرن الماضي وارتباطها بقضية الصحراء. لكن طوال عقود، ظل هذا الخلاف محصورًا في دوائر القرار، بعيدًا عن العلاقات اليومية بين الشعبين.

فالمغاربة والجزائريون عاشوا تاريخيًا روابط إنسانية وثقافية واجتماعية متشابكة. وفي فرنسا، حيث تتعايش جاليتان كبيرتان، بقيت العلاقات في الغالب قائمة على الجوار والتعاون والعمل المشترك، رغم استمرار الخلافات الرسمية بين الدولتين.

غير أن الخطابات السياسية المتشنجة عندما تتكرر وتُقدَّم بمنطق العداء الدائم، قد تتحول إلى وقود للتوتر داخل المجتمعات. وعندما يصبح الخصم السياسي صورة نمطية تُحمَّل مسؤولية كل الأزمات، فإن الخطر يكمن في انتقال هذا الخطاب من المنابر الرسمية إلى الشارع.

من خطاب سياسي إلى مناخ عدائي

لكن هذا التوازن تغيّر مع وصول عبد المجيد تبون ومن يدعمه من المؤسسة العسكرية إلى الحكم. فقد تحوّل الخلاف الدبلوماسي إلى ورقة سياسية تُستثمر بشكل دائم. إذ بات المغرب يُقدَّم في الخطاب الرسمي كخصم دائم، يُحمَّل مسؤولية أزمات متعددة داخل الجزائر، من قضية الصحراء إلى حرائق القبائل وصولًا إلى التحديات الاقتصادية.

وفي أكتوبر 2025، عاد هذا الخطاب بقوة بعد فترة هدوء قصيرة، حيث تصاعدت حدة التصريحات المعادية للمغرب. وخلال الحملة الانتخابية، استُخدم هذا الخطاب كوسيلة لتعبئة الرأي العام، عبر تصوير المغرب كعدو مشترك يمكن الالتفاف ضده.

ومع تكرار هذا الخطاب عبر وسائل الإعلام الرسمية، لم يبقَ محصورًا داخل الحدود، بل امتد تأثيره إلى الجاليات بالخارج، ليصل إلى فرنسا ويظهر بشكل ملموس في أحداث أوبرفيلييه.

المغرب: يردّ بالكرامة ويمضي قُدُمًا

في مواجهة هذه الواقعة، اختار المغرب اللجوء إلى المؤسسات والقانون، عبر تقديم شكوى رسمية وانتظار نتائج التحقيقات، بعيدًا عن ردود الفعل الغاضبة أو الدعوات إلى الانتقام.

ويرى كثيرون أن قوة الدول لا تُقاس فقط بقدرتها على الرد، بل أيضًا بقدرتها على ضبط النفس والدفاع عن حقوقها بالطرق المشروعة.

وفي الوقت الذي يواصل فيه المغرب مسار تنميته وتعزيز حضوره الدولي، من خلال مشاريع اقتصادية وبنى تحتية كبرى وحضور متزايد في مجالات متعددة، يبقى التحدي الحقيقي هو الحفاظ على صورة بلد واثق من نفسه، لا يحتاج إلى خطاب الكراهية لإثبات وجوده.

بين شعبين تجمعهما روابط أعمق من الخلافات

من المهم التمييز بين الشعوب والخلافات السياسية. فالشعب الجزائري ليس اختصارًا في مواقف بعض الأفراد أو في سياسات بعض المسؤولين، كما أن الشعب المغربي لا يُختزل في ردود الفعل الغاضبة.

بين المغرب والجزائر تاريخ مشترك وروابط إنسانية لا يمكن محوها بسهولة. وإذا كانت الخلافات السياسية حقيقية، فإن تحويلها إلى عداء شعبي دائم لن يخدم سوى خطاب الانقسام.

قد يُمزَّق علم في شارع، وقد تُرتكب أفعال استفزازية في لحظة غضب، لكن الرموز الوطنية لا تُهزم بالحرق، والشعوب لا تُبنى بالكراهية.

المستقبل لا يُصنع بمن يزرعون الخصومة، بل بمن يملكون شجاعة تجاوزها.

Partager sur :