قراءة نقدية في دعوة رشيد الحاحي إلى الحياد والفرجة وعدم الرهان على الانتخابات
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية التشريعية، يتجدد النقاش حول موقع القضية الأمازيغية داخل المشهد السياسي المغربي، وحول طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تربط الحركة الأمازيغية بالأحزاب والانتخابات والمؤسسات المنتخبة.
في هذا السياق، يطرح رشيد الحاحي، في مقاله «كفى من الرهان على الأحزاب واعتبار الأمازيغية برنامجاً انتخابياً في المغرب!»، موقفاً يدعو، في جوهره، إلى عدم الرهان على الأحزاب ونتائج الانتخابات، واعتماد مسافة تقوم على الحياد ومتابعة المشهد السياسي من موقع المتفرج.
وهي أطروحة تستحق النقاش، ليس بسبب صاحبها أو تاريخه داخل الحركة الأمازيغية، وإنما لأنها تطرح سؤالاً جوهرياً: هل يمكن حماية استقلالية القضية الأمازيغية بالابتعاد عن السياسة، في الوقت الذي أصبحت فيه الأمازيغية جزءاً من النظام الدستوري والسياسات العمومية للدولة؟
الأمازيغية ليست حزباً… لكنها قضية سياسية
من حيث المبدأ، لا خلاف على أن الأمازيغية أكبر من الأحزاب.
ليست ملكاً لحزب أو جمعية أو تيار، ولا ينبغي أن تتحول إلى ورقة انتخابية موسمية تستعمل لاستقطاب الأصوات ثم تختفي بعد انتهاء الانتخابات.
لكن هناك فرقاً أساسياً بين أن تكون الأمازيغية غير حزبية وأن تكون غير سياسية.
فمنذ دستور 2011، الذي أقر الأمازيغية لغة رسمية للدولة، انتقلت القضية من مرحلة المطالبة بالاعتراف إلى مرحلة المطالبة بالتفعيل.
وهذا التفعيل لا يتم خارج السياسة.
حين نتحدث عن تدريس الأمازيغية، فنحن نتحدث عن سياسة حكومية.
وحين نتحدث عن حضورها في الإعلام والإدارة والخدمات العمومية، فنحن نتحدث عن مؤسسات وميزانيات وموارد بشرية.
وحين نتحدث عن القانون التنظيمي المتعلق بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، فنحن نتحدث عن البرلمان والحكومة.
وحين نسأل عن أسباب التأخر أو التعثر، فنحن ندخل مباشرة إلى مجال المراقبة والمساءلة السياسية والمؤسساتية.
لذلك، فالأمازيغية ليست حزباً، لكنها قضية سياسية بامتياز.
دستور 2011 غيّر قواعد اللعبة
أهم ما تغير بعد دستور 2011 هو طبيعة السؤال نفسه.
لم يعد السؤال الأساسي:
هل ستعترف الدولة بالأمازيغية؟
بل أصبح:
كيف ستنفذ الدولة التزامها الدستوري؟
من يشرع؟
من يضع السياسات؟
من يخصص الموارد؟
من ينفذ؟
من يراقب؟
ومن يتحمل المسؤولية عندما يتعثر التنفيذ؟
كل هذه الأسئلة تقود إلى المؤسسات السياسية.
الحكومة والبرلمان والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية ليست كيانات منفصلة عن القضية الأمازيغية، بل هي جزء من المجال الذي يتحدد داخله مستقبلها العملي.
ومن هنا تبدو فكرة إبعاد الأمازيغية عن السياسة متناقضة مع طبيعة المرحلة التي دخلتها القضية منذ الاعتراف الدستوري بها.
من «الفرجة» إلى المساءلة
المشكلة الحقيقية ليست في التحذير من استغلال الأمازيغية انتخابياً؛ فهذا تحذير مشروع ومطلوب.
المشكلة تبدأ عندما تتحول مقاومة الاستغلال الحزبي إلى دعوة للابتعاد عن الانتخابات والمجال السياسي برمته.
فإذا كانت الأحزاب تسعى إلى أصوات المواطنين، فمن حق هؤلاء أن يسألوها عن برامجها تجاه الأمازيغية.
ليس المطلوب أن تقول الحركة الأمازيغية:
هذا حزبنا.
بل أن تقول:
هذه مطالبنا، وهذه معاييرنا، ماذا ستقدمون؟
ما موقفكم من تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية؟
ما الذي ستفعلونه في التعليم؟
ما الذي ستفعلونه في الإدارة؟
ما هي الموارد المالية والبشرية التي ستخصصونها؟
ما آجال التنفيذ؟
وكيف يمكن مساءلتكم بعد الانتخابات؟
هنا تتحول الأمازيغية من شعار انتخابي إلى معيار للمساءلة السياسية.
هل وجود الأمازيغية في البرامج الانتخابية مشكلة؟
ليس بالضرورة.
فالأحزاب تقدم برامج حول التعليم والصحة والاقتصاد والثقافة والعدالة الاجتماعية والتنمية والحقوق والحريات.
فلماذا تصبح الأمازيغية وحدها موضوعاً ينبغي إبعاده عن البرامج الانتخابية؟
المشكلة ليست في أن يتحدث الحزب عن الأمازيغية، وإنما في طبيعة ما يقوله.
هناك فرق بين وعد عام من قبيل «النهوض بالأمازيغية»، وبين التزام سياسي يتضمن إجراءات محددة، وموارد، وآجالاً، ومؤشرات يمكن قياسها.
الأول شعار.
أما الثاني فهو التزام يمكن مساءلة صاحبه عنه.
لذلك، ربما لا تحتاج الحركة الأمازيغية إلى إبعاد الأمازيغية عن البرامج الانتخابية، بقدر ما تحتاج إلى إخراجها من لغة الشعارات إلى لغة الالتزامات القابلة للقياس.
المواطن ليس متفرجاً
تطرح عبارة «الفرجة» إشكالاً ديمقراطياً آخر.
فالانتخابات ليست مجرد صراع على المقاعد، وإنما إحدى آليات المشاركة في صناعة القرار.
والمواطن الذي يختار بناءً على موقف حزب من التعليم أو الصحة أو الاقتصاد أو العدالة الاجتماعية، من حقه أيضاً أن يجعل موقفه من الحقوق اللغوية والثقافية أحد معايير الاختيار.
هذا لا يعني التصويت لحزب لمجرد أنه ذكر الأمازيغية في برنامجه.
بل يعني أن الأمازيغية يمكن أن تكون واحداً من معايير تقييم المرشحين والبرامج.
وهذا يختلف جذرياً عن تحويل الحركة الأمازيغية إلى خزان انتخابي لأي حزب.
الاستقلالية لا تعني الانسحاب
هنا تكمن إحدى أهم نقاط الخلاف.
يمكن للحركة الأمازيغية أن تكون مستقلة عن الأحزاب، وفي الوقت نفسه حاضرة بقوة في المجال السياسي.
يمكنها أن تحاور الحكومة والمعارضة، وأن تلتقي ببرلمانيين ومنتخبين ومسؤولين، وأن تفاوض المؤسسات، ثم تنتقد الجميع عندما لا يلتزمون بتعهداتهم.
هذه ليست تبعية حزبية.
إنها ممارسة مدنية للسياسة.
فالعمل المدني لا يعني الانسحاب من المجال السياسي، وإنما التأثير فيه من خارج البنية الحزبية مع الحفاظ على الاستقلالية.
بل إن الاستقلالية الحقيقية قد تمنح الحركة الأمازيغية قدرة أكبر على التفاوض والضغط والمساءلة.
من الرهان على الأحزاب إلى الرهان على الالتزامات
ربما يكون المطلوب اليوم ليس قطع العلاقة مع الأحزاب، وإنما إعادة تعريفها.
لا ينبغي أن يكون السؤال:
مع من سنصوت؟
بل:
بأي معايير سنقيّم الجميع؟
هذه النقلة هي التي يمكن أن تمنح الحركة الأمازيغية استقلالية سياسية حقيقية.
أن تقرأ البرامج.
أن تقارن المواقف.
أن تستجوب المرشحين.
أن تطلب التزامات مكتوبة.
أن تنظم مناظرات.
أن تراقب أداء المنتخبين.
أن تتبع تنفيذ السياسات العمومية.
وأن تصدر تقارير دورية حول ما تحقق وما لم يتحقق.
حينها يمكن للحركة الأمازيغية أن تقول للأحزاب:
لسنا خزاناً انتخابياً لكم، ولسنا خصماً دائماً لكم. نحن قوة مدنية مستقلة، نراقب أداءكم ونحاسبكم على التزاماتكم.
وهذا أكثر فاعلية من المقاطعة أو الاكتفاء بدور المتفرج.
الانتخابات ليست نهاية النضال
تاريخ الحركة الأمازيغية نفسه عرف مواقف متعددة من السياسة والانتخابات.
هناك من اختار المقاطعة، وهناك من انخرط في الأحزاب، وهناك من ترشح، وهناك من دعم مرشحين، وهناك من حافظ على مسافة من الجميع.
ولا يمكن اختزال هذه التجارب في حكم واحد.
لكن الدرس الأهم ليس أن المشاركة نجحت دائماً أو أن المقاطعة فشلت دائماً.
الدرس هو أن المشكلة لا تكمن فقط في المشاركة أو عدم المشاركة، وإنما في الاستراتيجية التي تحكم هذه المشاركة.
قد يفشل الانخراط الحزبي عندما يتحول إلى تبعية للأشخاص.
وقد تفشل المقاطعة عندما تتحول إلى انسحاب من المجال العام.
وقد تنجح الاستقلالية عندما تقترن بالتنظيم والتفاوض والمراقبة والمساءلة.
المطلوب صناعة المعايير
أمام الحركة الأمازيغية فرصة لتجاوز الثنائية التقليدية:
مع الأحزاب أو ضد الأحزاب.
والانتقال إلى معادلة أكثر نضجاً:
مع الحقوق وضد التبعية.
يمكن للحركة أن تتحاور مع الجميع دون أن تنتمي إلى أحد.
ويمكنها أن تفاوض الجميع دون أن تمنح أحداً شيكاً على بياض.
ويمكنها أن تدعم مبادرة سياسية في ملف معين، وترفضها في ملف آخر.
ويمكنها أن تنتقد الحكومة والمعارضة معاً.
هذه هي الاستقلالية التي يحتاجها المجتمع المدني: استقلالية في القرار، لا عزلة عن القرار.
النقد ليس ضد الحاحي… بل ضد منطق «الفرجة»
النقاش الجاد لا يحتاج إلى التشكيك في نضالات رشيد الحاحي أو موقعه داخل الحركة الأمازيغية.
الأجدى هو مناقشة الفكرة نفسها.
والملاحظة التي يطرحها حول مخاطر تحويل الأمازيغية إلى ورقة انتخابية تستحق الاهتمام.
لكن السؤال هو: هل الحل في الابتعاد عن الانتخابات والسياسة؟
في تقديري، لا.
لأن الانسحاب من المجال السياسي لا يلغي السياسة.
السياسة ستستمر، والمؤسسات ستتخذ القرارات، والميزانيات ستحدد، والقوانين ستشرع، والسياسات العمومية ستنفذ أو تتعثر.
والسؤال يصبح عندها: من سيكون حاضراً في هذا المجال؟
إذا غابت الحركة الأمازيغية عن المجال الذي تُصنع فيه القرارات، فإن غيابها لن يؤدي بالضرورة إلى إضعاف السياسة، وإنما قد يؤدي إلى إضعاف قدرتها على التأثير فيها.
الخلاصة: الأمازيغية فوق الأحزاب… ولكنها ليست فوق السياسة
يقدم طرح رشيد الحاحي تنبيهاً مهماً: لا ينبغي للأمازيغية أن تتحول إلى ورقة انتخابية، ولا للحركة الأمازيغية أن تصبح ملحقاً حزبياً أو خزاناً انتخابياً لأي جهة.
لكن الانتقال من هذا التشخيص إلى خيار «الحياد والفرجة» يحتاج إلى مراجعة.
فالأمازيغية أصبحت، منذ دستور 2011، جزءاً من الالتزام الدستوري للدولة، وأصبح تفعيلها مرتبطاً بالتشريع والسياسات العمومية والميزانيات والمؤسسات.
لذلك، فإن الابتعاد عن التبعية الحزبية لا ينبغي أن يتحول إلى ابتعاد عن السياسة.
المطلوب ليس أن تتحول الحركة الأمازيغية إلى حزب.
وليس أن تصبح ملحقاً انتخابياً لأي حزب.
وليس أيضاً أن تجلس في مقاعد المتفرجين.
المطلوب أن تصبح قوة مدنية مستقلة تضع المعايير، وتتفاوض، وتراقب، وتقيّم، وتسائل وتحاسب.
فالأمازيغية ليست حزباً، لكنها قضية سياسية.
وليست ورقة انتخابية، لكنها يمكن أن تكون معياراً من معايير الاختيار الديمقراطي.
وليست ملكاً لحزب، لكن جميع الأحزاب والمؤسسات مطالبة بتقديم أجوبة واضحة حولها.
وعندما يطلب السياسي صوت المواطن، فالسؤال الطبيعي ليس:
هل ستدافع عن الأمازيغية؟
بل:
ماذا ستفعل؟ متى ستفعل؟ بأي موارد؟ وكيف سنحاسبك إذا لم تفعل؟
هنا تتحول الأمازيغية من شعار انتخابي إلى معيار ديمقراطي، ومن موضوع للوعود إلى موضوع للمساءلة، ومن خزان انتخابي محتمل إلى قوة مدنية مستقلة.
لذلك، نعم، ينبغي أن تكون الأمازيغية فوق الأحزاب، لكن ليس فوق السياسة.
فالخطر ليس فقط أن تصبح الحركة الأمازيغية تابعة لحزب.
الخطر الآخر هو أن تتحول الاستقلالية إلى فرجة، والفرجة إلى انسحاب، والانسحاب إلى غياب عن المجال الذي تُصنع فيه القرارات المتعلقة بمستقبل الحقوق التي ناضلت الحركة الأمازيغية من أجلها.
بقلم:احمد ليديب