حين
ليس كل من يعيش على هذه الأرض، يحياها حقًا…
فبين الوجود والحياة فرق، وبين التنفس والإحساس مسافة لا يدركها الجميع.
نعيش كثيرًا… لكننا نادرًا ما نحيا حقًا.
نحن لا نعيش جميعًا بالطريقة نفسها، بل نحمل داخلنا عوالم مختلفة، هي التي تحدد كيف نرى الحياة… وكيف نشعر بها.
فمن الناس من يعيش بجسده…
يركض خلف الراحة، يطارد اللذة، ويقيس أيامه بما يملك لا بما يحس.
حياته ملموسة… لكنها محدودة، تقف عند حدود الحواس.
ومنهم من تسيّره أعصابه…
ينفعل بسرعة، يتأرجح بين الغضب والهدوء، وكأن حياته سلسلة من ردود الأفعال.
تسكنه العواصف، حتى في أبسط المواقف.
وهناك من يغرق في نفسيته…
يحمل أثقالًا لا تُرى، ويتألم بصمت، ويعيش عمقًا قد لا يفهمه أحد.
هو هادئ في ظاهره… لكنه مزدحم في داخله.
أما من يعيش بعقله…
فيحلل، ويوازن، ويحسب كل خطوة، كأن الحياة معادلة يجب أن تُضبط بدقة.
لكنه أحيانًا ينسى أن بعض الأمور لا تُفهم… بل تُشعر.
وهناك من يعيش بمزاجه…
يشرق العالم إن صفا، ويظلم إن تعكّر.
لا قانون يحكمه سوى حالته، وكأن الحياة انعكاس مباشر لما يشعر به في تلك اللحظة.
لكن…
يبقى أولئك الذين يعيشون بأرواحهم.
هؤلاء مختلفون… نادرون… لا يُشبهون أحدًا.
لا يهربون من الألم، بل يعبرونه بهدوء.
ولا يبحثون عن الكمال، بل عن السلام.
يعرفون أن الحياة ليست معركة يجب كسبها، بل رحلة يجب فهمها.
هم في هذا العالم بأجسادهم…
لكن أرواحهم لا تنتمي إليه بالكامل.
تراهم بين الناس، لكنك تشعر أنهم ينظرون أبعد… يفهمون أعمق… ويسامحون أسرع.
لا تثقلهم التفاصيل الصغيرة، ولا تُرهقهم التقلبات العابرة،
لأنهم ببساطة… يعيشون من مكان أعلى.
مكان لا تصله الفوضى، ولا تكسره الخيبات بسهولة.
فهل نختار كيف نعيش؟
أم أن الحياة هي التي تشكلنا؟
ربما كلاهما…
لكن الأكيد أن أسمى ما يمكن أن نبلغه،
ليس أن نعيش كما يعيش الجميع…
بل أن نرتقي… ونحيا بأرواحنا كما ينبغي.