جئت من البعث بعد البعث
هناك أناس يعيشون حياة هادئة مستقرة، وهناك آخرون يمرون من أبواب الموت المعنوي مرات لا تحصى، حتى يصبح البقاء نفسه معجزة يومية.
أنا من أولئك الذين جاؤوا من البعث بعد البعث.
سقطت مرات ظن فيها الجميع أن النهاية قد كُتبت، وأن الصفحة قد أُغلقت، وأن الروح لم يعد فيها ما يكفي لتنهض من جديد. لكن الله كان في كل مرة يمد لي يدًا خفية، يعيد بها ترتيب قلبي، ويوقظ في داخلي قوة لم أكن أعلم بوجودها.
تعلمت أن الهزائم ليست دائمًا هزائم، وأن بعض الانكسارات ليست إلا مقدمات لولادة جديدة. فكم من وجع ظننته نهاية الطريق، فإذا به بداية طريق آخر أكثر رحمة، وأكثر نضجًا، وأكثر قربًا من الله.
جئت من الموت حين ماتت الأحلام التي كنت أظنها جزءًا مني، ثم اكتشفت أن الإنسان لا يموت بفقد حلم، بل يموت حين يفقد الأمل. وحين تمسكت بالأمل، عاد النور إلى روحي من جديد.
وجئت من البعث بعد البعث، لأن الحياة لم تختبرني مرة واحدة، بل مرات عديدة. وفي كل مرة كنت أخرج أقل تعلقًا بالناس، وأكثر تعلقًا بالله. أقل انشغالًا بمن يريد إسقاطي، وأكثر انشغالًا بما يريد الله أن يعلمني إياه.
لهذا لا تتعب نفسك بمحاولة العبث بمن خرج من تحت ركام التجارب. لا تراهن على كسر من اعتاد الوقوف بعد كل سقوط. ولا تظن أن الجراح التي صنعت حكمته ستصبح سببًا في هلاكه.
فالعبث مع من أعاده الله إلى الحياة مرات عديدة هو من العبث نفسه.
إن الإنسان الذي ذاق مرارة الخذلان، وعرف طعم الفقد، واجتاز ليالي الحزن الطويلة، ثم نهض مبتسمًا، لم يعد يخيفه شيء كثيرًا. لقد أدرك أن القوة ليست في ألا يسقط، بل في أن يعرف كيف يقوم كلما سقط.
وما أجمل أن يصل المرء إلى مرحلة يقول فيها: لقد حاولت الحياة أن تعلمني بالقسوة، فتعلمت. وحاول الناس أن يؤذوني، ففهمت. وحاولت المحن أن تكسرني، فازددت صلابة.
فإن كنت قد جئت من البعث بعد البعث، فاعلم أنني لم أعد أخشى العواصف، لأنني رأيت لطف الله في قلبها.
وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أُنيب.
بقلمي: رجاء التوبي – عاشقة للوطن