بقلم: رجاء التوبي – عاشقة للوطن
لم تعد كرة القدم في عالم اليوم مجرد لعبة تُقاس بالنتائج والأهداف، بل أصبحت أداة تأثير ناعم تتقاطع فيها الرياضة مع السياسة، وتلتقي فيها المشاعر الشعبية بالرؤى الاستراتيجية للدول. ومن هذا المنطلق، يكتسي تنظيم كأس الأمم الإفريقية بالمغرب دلالة تتجاوز المستطيل الأخضر، ليعكس عمق الرؤية المغربية في توظيف الرياضة كوسيلة للتقارب القاري وتعزيز الحضور الدبلوماسي.
لقد أدرك المغرب، مبكرًا، أن كرة القدم لغة كونية قادرة على مخاطبة الشعوب قبل الحكومات، وأن الاستثمار فيها ليس ترفًا رياضيًا، بل خيارًا استراتيجيًا يخدم صورة الدولة ومكانتها. لذلك جاء الانخراط القوي للمملكة في الشأن الكروي الإفريقي، سواء عبر الحضور الفاعل داخل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، أو من خلال دعم البنية التحتية، وتطوير منظومة التكوين، واحتضان التظاهرات القارية الكبرى.
إن تنظيم كأس الأمم الإفريقية بالمغرب ليس
حدثًا رياضيًا عابرًا، بل هو تتويج لمسار طويل من العمل والالتزام، ورسالة ثقة من القارة في قدرة المملكة على التنظيم وفق أعلى المعايير. كما أنه يعكس صورة بلد مستقر، منفتح، وقادر على جمع الأفارقة حول قيم التنافس الشريف والوحدة.
دبلوماسيًا، يشكّل هذا الحدث فرصة لتعزيز العلاقات بين المغرب وباقي الدول الإفريقية، في سياق تعاون جنوب–جنوب يقوم على الشراكة والاحترام المتبادل. فالملاعب، خلال هذه البطولة، تتحول إلى فضاءات للتلاقي الإنساني، وحوار الثقافات، وتبادل الرموز، بعيدًا عن منطق الاصطفافات السياسية الضيقة.
اقتصاديًا، لا يمكن إغفال الأثر الإيجابي لتنظيم كأس إفريقيا، سواء من حيث تنشيط السياحة، أو تحريك عجلة الاقتصاد المحلي، أو خلق فرص الشغل المرتبطة بالبنية التحتية والخدمات. كما يساهم الحدث في تسويق صورة المغرب كوجهة إفريقية واعدة للاستثمار، وقادرة على احتضان كبريات التظاهرات الدولية.
أما ثقافيًا وإنسانيًا، فإن البطولة تمثل نافذة لإبراز غنى الهوية المغربية وتنوعها، ولتعزيز التبادل الثقافي بين الشعوب الإفريقية، في مشهد تختلط فيه الأهازيج، والأعلام، واللغات، تحت راية كرة القدم التي توحّد ولا تفرّق.
من خلال هذا الرهان القاري، يؤكد المغرب أن الرياضة ليست هدفًا في حد ذاتها، بل وسيلة لبناء جسور الثقة، وترسيخ الانتماء الإفريقي، وتعزيز إشعاع الوطن في محيطه الطبيعي. وهكذا، يبرهن المغرب مرة أخرى أن حب الوطن يُترجم بالفعل والعمل، وباختيار مسارات ذكية تجعل من كرة القدم رافعة دبلوماسية، ومن الرياضة رسالة سلام ووحدة بين الشعوب.