بقلم ...د.ابراهيم أونبارك
باحث في الفعل السياسي وقضايا تدبير التراب
تابع الجميع مجريات النهائيات الأممية الإفريقية لكرة القدم في بلد اختار أن يرفع إيقاع التحدي في التنظيم، فكان له ذلك في نحت نسخة استثنائية لهذا المجمع الكروي الإفريقي، ويعترف المنتمون إلى الحقل الرياضي والذين يوجدون خارجه، وأولئك الذين ينتمون إلى القارة والذين يتابعون خارجها، أن المغرب رفع العرس الكروي الإفريقي إلى العالمية، وكانت المملكة طيلة شهر، في محفل إفريقي، قدمت عبره النموذج والعبرة والمثال في استقبال يليق بالضيوف، فوفرت ملاعب رسمية للمباريات وأخرى خاصة للتداريب، كما وفرت وسائل نقل لا تمتلكها الفرق المشاركة في وطنها، إلا القلة القليلة منها، كما كانت الفنادق الراقية موطن الاستقبال والترحيب والتعبير عن سلوك مغربي لا يحتاج تنميطا ولا دعاية، إنه كرم الضيافة في أبهى تجلياته.
ولم يكن المغرب يقدم منجزاته من باب المن أو التفاخر الزائد( رغم أنه يحق له ذلك لأنه الأفضل في البنية التحتية، وفي التصنيف العالمي وفي عدد التتويجات القارية إبان السنوات الأخيرة)، بل كان ينظر كعادته، من منطلق السمو الأخلاقي وإرضاء الخواطر، مهما كانت سلوكات الضيوف مشينة، ويغض الطرف، ويعامل كل من ساء إلى سمعتنا أو قلَّل من قيمتنا أو ألحق الضرر بنا وبممتلكاتنا، معاملة تليق بضيف حل بأرض كان شعار أهلها دائما: "لنعاملهم بالخير إلى أن يغلب خيرنا شرهم". فتبين أن ثقافة "اللئام" تظهر بمجرد أن يغادر الضيف أرضنا، وتوالت الأضغان إلى أن اشتدت في "نهائي" رحبنا بمن نافسنا، صفقنا له، كانت لنا وإياه محطات من التعاون والتضامن والأخوة، وحذرنا أبنائنا حتى لا يتجرأ أحدهم لإصدار ما قد يزعجهم أو يسئ التعامل مع ضيف النهائي، ولأهل "إفريقيا العتيدة" والتي نرى دوما أنفسنا جزءا لا يتجزأ منها، وما فتئنا نفتخر ونرغب في تقوية الروابط مع كل قطر من أقطارها، مهما كانت لغاتهم وأعراقهم وديانتهم وأجناسهم. فكان رد الضيف دون المنتظر، ورغم ذلك امتلك المدبرون حس المسؤولية، فشيد فريقنا الوطني المغربي ملحمة أخرى في التقدير والاحترام، فمنحناهم الكأس التي هم مستعدون للقيام بأي شيء من أجلها، لكننا ربحنا كؤوسا تفوق حدود الزمان والمكان، وتلكم بعضا منها:
-ربحنا كأسا من الشهامة المغربية وسمو الأخلاق وكرام الضيافة، وأثبتنا للعالم أننا فعلا متميزون، بل ومختلفون ولا نخضع للمقارنة لدى من يرغب في مقارنتنا بمن هم أقرب إلينا في الجوار أو العرق او اللغة أو الدين، وأن هذه الأرض لها تاريخ تقليد من القيم التي تفوق ما دونها،
-ربحنا كأسا لا يضاهى من الغيرة على وطن وصلنا اليوم إلى لحظة غير مسبوقة من الافتخار به، رغم ما ينقصنا ونحن مصممون طبعا على تحقيقه، وربحنا بنية تحتية من طرق وملاعب ونظام أمني وتجربة في تدبير المحافل الدولية، وبطريقة أبهرت البعيد قبل القريب والعدو قبل الصديق،
-ربحنا اعترافا دوليا ببلد استثنائي اسمه المغرب، شعبا وملكا وتدبيرا وأخلاقا وقيما، وهذا وحده يكفينا فخرا، وأننا لم نكن يوما حالمين فقط، أو متصنعين، بل رفعنا راية التحدي في منافسة الكبار، سواء في المجال الكروي أو في تنظيم التظاهرات القارية بأسلوب عالمي، فحققنا الهدف وكنا فعلا في مستوى التحدي،
- ربحنا فريقا وطنيا بروح وهوية مغربية، مزجت بين جل المناطق والجهات، بين مغاربة الوطن ومغاربة المهجر، فأثبتنا أن تشبتنا بالوطن ليس مجرد طموح أو فكرة، بل هو "فعل وطني" نمارسه عن اختيار، ولا نبتغي منه إلا أن نعلن للعالم أن الإنسان المغربي مندمج بطبيعته، ومؤمن بإمكانية التعايش مع الآخرين بتربيته،
-ربحنا "كأسا" من حقيقة بعض الدول التي نعتبرها في صفنا وأن حبل المودة يربطنا، فرحبنا بها بيننا، والتمسنا لها ألف عذر وعذر، لكن "نية الكرة" أماطت اللثام عن مكر بعضهم وعن قدرتهم على الإساءة إلينا في أية لحظة، وهم مستعدون للزج بنا في منعرج أخلاقي باسم الانتصار والمكيدة والتلاعب بأحاسيس شعب يمتلك من السؤدد ما يكفي كي لا تنال منه كل هذه المنزلقات،
-ربحنا فكرة جديدة تقتضي صياغة استراتيجية مغايرة في التعامل مع سياستنا الخارجية، لاسيما تلك المرتبطة بالدول الإفريقية، ولا نعمم طبعان ولسنا في هشاشة تدفعنا لتغيير مواقفنا النبيلة، بمجرد أن رأينا ما رأينا وشاهدنا ما شاهدنا في "لعبة" تفضي حتما إلى منتصر ومنهزم، بل ندعوا إلى ضرورة الانتقال إلى محطة أخرى من إعطاء كل ممن حولنا قيمته الحقيقية، وأن يدرك المغرب أنه لم يعد رقما سهلا، وأن وحدتنا الترابية باتت أمرا محسوما في القرارات الدولية وبتنا أكثر فوزا على كل من نصب نفسه عدوا مجانيا لنا،
اليوم، أدركنا إلى أي حد أصبح المغرب مزعجا لدول لم تفهم بحق كيف استطاعت المملكة المغربية أن تخطو كل هذه الخطوات في زمن قياسي. ولن نتحدث اليوم عما أصدروه نحونا من سب وشتم، وإساءة لنا وهم في عقر دارنا، وهم يستمتعون بما شيدناه ونحن نهديهم إياه مفتخرين، لن نجتر هفوات السلوك الصاعد من مدرجات الملاعب التي بنيناها بعرق الجبين، وأمنا بتحققها فتحققت، لن نقول لكل هؤلاء اليوم، ممن يحبنا أو يكرهنا، إلا أن المغرب ماض وبلا رجعة في تحقيق استثنائه، وفي تمديد المسافة الفاصلة بينه وبين كل من يسعى للإساءة إلى هذا الوطن الذي يسير نحو انتصارات أكبر رغما عن أنف الحاقدين.