...لا يلزمني حبر قلمك
دع ورقتي عذراء، لا تشقها خطوط الوجع، ولا تثقلها أنَّاتٌ أرهقها تكرار الحزن حتى ظنت أن الحياة لا تُنبت إلا الألم.
لقد سئمت الأقلام التي لا ترى في الدنيا إلا مواطن الخيبة، ولا تتغذى إلا على الذكريات المثقلة بالأسى، فتجعل من القلق رفيقًا دائمًا، ومن الخوف قراءةً للمستقبل، وكأنها تملك مفاتيح الغيب أو تعلم ما تخبئه الأيام.
دع ورقتي بيضاء كما خلق الله الفجر أول مرة، نقية من أوهام البشر، بعيدة عن ذلك العبث الذي يجعل الإنسان يعيش ما لم يقع، ويحزن على ما لم يُكتب، ويخاف مما لم يأذن الله بحدوثه.
فما أكثر الذين استنزفتهم مخاوف الغد حتى ضاعت منهم بركة اليوم.
نحمل المستقبل فوق أكتافنا قبل أن يأتي، ونرهق أرواحنا بأسئلة لا جواب لها، وننسى أن الغد حين يصل إلينا لا يأتي مجردًا، بل يأتي محفوفًا بلطف الرحمن، ومسبوقًا بعنايته، ومحاطًا بحكمته التي لا تدركها العقول إلا بعد حين.
كم من أمر أقلقنا ليلًا، فلما جاء وقته وجدنا أن الله قد أودع فينا من القوة ما لم نكن نعلمه عن أنفسنا، وفتح لنا من أبواب الفرج ما لم يخطر لنا على بال. وكم من مصيبة عشناها مئات المرات في خيالنا، ثم لم تقع أصلًا، وكم من أمر حسبناه شرًّا فإذا في طياته خير كثير.
إن المشكلة ليست في الغد، بل في استعجالنا لعيشه قبل أوانه.
نترك الحاضر فارغًا، ونمضي نسكن مستقبلًا لم يولد بعد، بينما لكل يوم رزقه، ولكل قدر لطفه، ولكل محنة رحمة خفية قد لا نراها إلا بعد أن تنقضي.
وكما أن الغد ليس مكانًا للقلق، فإن الأمس ليس مكانًا للإقامة.
لقد مضى بما حمل من أفراح وأحزان، من لقاءات وفراق، ومن نجاحات وإخفاقات. مضى بحلوه ومره، ولم يترك لنا إلا ما ينفعنا: العبرة والحكمة والدروس.
فالعاقل لا يجر خلفه أثقال الماضي، ولا يجعل من الذكريات قيودًا تكبل خطاه، بل ينظر إلى ما مضى بعين الرضا؛ فإن وجد فيه نعمة حمد الله عليها، وإن وجد فيه ألمًا شكر الله على ما تعلمه منه.
فكم من جرح كشف لنا حقيقة الأشخاص، وكم من انكسار أعاد ترتيب أولوياتنا، وكم من باب أُغلق في وجوهنا لنكتشف لاحقًا أن الله كان يحمينا لا يحرمنا.
ليس المطلوب أن نمحو الماضي من ذاكرتنا، بل أن نضعه في مكانه الصحيح؛ خلفنا لنتعلم منه، لا فوق أكتافنا لننحني تحت ثقله.
وما بين ماضٍ انتهى لا نملك تغييره، ومستقبل لم يأت بعد لا نملك رسم تفاصيله، يبقى الحاضر هو الهبة الإلهية التي بين أيدينا.
هو العمر الحقيقي الذي نملكه.
هو اللحظة التي منحنا الله إياها لنعبده فيها، ونحمده فيها، ونعيشها بقلب مطمئن، لا يطارده شبح الأمس ولا يفزعه غموض الغد.
لذلك لا يلزمني حبر قلمك...
يكفيني أن أترك الأمس لعبره، وأترك الغد للطف الله، وأعيش يومي مؤمنًا أن ما مضى كان بحكمة، وما سيأتي سيكون برحمة.
فالغد في علم الله رحمة مؤجلة، وفي أذهان القلقين خوف معجل.
أما المؤمن، فيسير إلى أيامه بقلب هادئ، لأنه يعلم أن الذي حفظه بالأمس، ورعاه اليوم، لن يضيعه غدًا.
بقلمي: رجاء التوبي – عاشقة للوطن