بقلم : عبدالله سدراتي - قلعة مكونة
في زمن باتت فيه الدبلوماسية الاقتصادية واحدة من أهم أدوات تعزيز النفوذ التنموي وفتح آفاق الاستثمار والشراكات العابرة للحدود، واصلت الفيدرالية البيمهنية للورد العطري بالمغرب ترسيخ حضورها على الساحة الدولية، من خلال مشاركتها في زيارة مؤسساتية رفيعة المستوى احتضنتها منطقة نانسي بالجمهورية الفرنسية يومي 7 و8 يوليوز 2026، بدعوة من مؤسسة "Maison Europ Afrique"، في خطوة تعكس التحول الذي يعرفه قطاع الورد العطري من نشاط فلاحي محلي إلى رافعة اقتصادية ذات امتداد عالمي.
ولم تقتصر هذه المشاركة على طابعها البروتوكولي، بل حملت أبعادًا استراتيجية تروم بناء جسور تعاون بين الفاعلين الاقتصاديين والمؤسساتيين في أوروبا وإفريقيا، واستكشاف فرص استثمارية جديدة، وتبادل الخبرات، وتطوير سلاسل القيمة، وتعزيز الابتكار في مجال تثمين المنتجات المجالية، بما ينسجم مع الرهانات الجديدة للتنمية الترابية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
رجل استثنى العراقيل من مساره
ومثّل الفيدرالية في هذا الموعد الدولي السيد يوسف بوري، عضو الفيدرالية، بعدما تعذّر على التعاونيات التي كان قد وقع عليها الاختيار ضمن الوفد الرسمي المشاركة، بسبب إكراهات مرتبطة بالحصول على تأشيرات السفر. غير أن هذا المستجد لم يثنِ الفيدرالية عن ضمان حضورها في هذا اللقاء، في رسالة واضحة مفادها أن المؤسسات القوية لا تسمح للعوائق الظرفية بأن تعرقل مسارها نحو الانفتاح والتعاون الدولي.
وليوسف بوري، الذي يمثّل اليوم الفيدرالية في محفل دولي بهذا الحجم، مسار شخصي ومهني يستحق التوقف عنده، فهو ابن منطقة مكونة الذي بدأ تعلمه الأولي بمجموعة مدارس زاوية البئر، حيث تفتحت ملامح شخصيته الأولى بين مقاعد الدراسة الابتدائية، قبل أن يواصل مشواره الدراسي بالثانوية التأهيلية ببومالن دادس، تلك المؤسسة التي تخرّج منها العديد من أبناء المنطقة الذين حملوا اسمها إلى مواقع متعددة داخل المغرب وخارجه.
بعد ذلك، شدّ الرحال نحو مدينة الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية للمملكة، في محطة شكّلت بالنسبة إليه مرحلة انتقالية صقلت تجربته واحتكاكه بعالم الشغل والمقاولة قبل أن يقرر خوض مغامرة مهنية جديدة هذه المرة خارج الحدود الوطنية، حيث استقر لعقد كامل من الزمن بهولندا، في تجربة غنية أكسبته احتكاكًا مباشرًا بأنماط تدبير مغايرة، وثقافة مقاولاتية أوروبية، ورؤية متجددة لقضايا التنمية والتسويق والانفتاح على الأسواق الدولية.
هذا المسار الطويل، الممتد بين قلعة مكونة وبومالن دادس والدار البيضاء وهولندا، لم يكن مجرد تنقل جغرافي، بل كان تراكمًا تدريجيًا لخبرات متنوعة صبّت في النهاية لصالح القطاع الذي اختار العودة إليه والانخراط في الدفاع عن قضاياه: قطاع الورد العطري، الذي وجد فيه بوري امتدادًا طبيعيًا لهويته وانتمائه الترابي، ومجالًا خصبًا لاستثمار ما راكمه من تجارب داخل الوطن وخارجه.
ويأتي اختيار يوسف بوري لتمثيل الفيدرالية في نانسي تتويجًا لهذا المسار الطويل من العمل داخل أجهزتها، ولما راكمه من تجربة في مواكبة قضايا القطاع والدفاع عن مصالح المنتجين والتعاونيات، إذ يُنتظر أن يقدّم أمام الشركاء الأوروبيين نموذجًا مغربيًا في تنظيم سلسلة الورد العطري، وأن يسلّط الضوء على المؤهلات الاقتصادية والبيئية والثقافية التي تجعل من قلعة مكونة مرجعًا وطنيًا ودوليًا في إنتاج الورد العطري وتثمينه.
من الإنتاج المحلي إلى التموقع الدولي
وتعكس هذه المشاركة رؤية استراتيجية تتبناها الفيدرالية، قوامها الانتقال من منطق الإنتاج التقليدي إلى منطق التموقع داخل الأسواق الدولية، عبر توظيف الدبلوماسية الاقتصادية وسيلةً لاستقطاب الاستثمارات، ونسج شراكات نوعية، والبحث عن قنوات جديدة للتسويق والتصدير، بما يضمن رفع القيمة المضافة للمنتوج المغربي، وتحسين أوضاع التعاونيات والمنتجين، وتعزيز تنافسية القطاع في مواجهة منافسة دولية متزايدة.
كما أتاحت الزيارة فرصة للاحتكاك المباشر بتجارب أوروبية رائدة في تثمين المنتجات الترابية، وإدارة سلاسل الإنتاج، وتطوير الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وهو ما من شأنه أن يفتح آفاقًا جديدة أمام الفيدرالية للاستفادة من الممارسات الفضلى، ونقل الخبرات، وتعزيز قدراتها المؤسساتية بما يواكب التحولات العالمية المتسارعة في مجال الاقتصاد الترابي.
رهان يتجاوز حدود العراقيل الظرفية ورغم العراقيل المرتبطة بإجراءات التأشيرة، والتي حالت دون مشاركة بعض ممثلي التعاونيات الذين وقع عليهم الاختيار في البداية، فإن إصرار الفيدرالية على ضمان الحضور في هذا الموعد الدولي يؤكد أن الرهان الحقيقي لم يعد يقتصر على إنتاج الورد العطري، بل بات يتمثل في بناء مكانة دولية لهذا المنتوج المغربي، وتحويله إلى سفير اقتصادي وثقافي يعكس غنى التراث المغربي، ويعزز صورة قلعة مكونة كعاصمة للورد العطري ووجهة عالمية لهذا القطاع الواعد.
وبهذا الحضور، تؤكد الفيدرالية البيمهنية للورد العطري بالمغرب أنها تمضي بخطى ثابتة نحو توسيع شبكة علاقاتها الدولية، وجعل الورد العطري المغربي عنوانًا للتعاون الاقتصادي والتنمية المستدامة، انسجامًا مع التوجهات الوطنية الرامية إلى تعزيز إشعاع المنتوجات المجالية المغربية، وتحويلها إلى رافعة حقيقية للتنمية، وجسر تواصل بين المغرب وشركائه عبر العالم.
وتبقى مسيرة رجال ونساء من طينة يوسف بوري، الذين جمعوا بين الأصالة الترابية والانفتاح الدولي، خير دليل على أن التنمية الحقيقية تُبنى بتراكم التجارب، وأن أبناء المناطق النائية قادرون، متى توفرت لهم الفرصة، على حمل قضايا وطنهم إلى أبعد المحافل الدولية -