من لم يكتشف تلك النفحة الربانية التي أودعها الله فيه، فقد لا يكون استوعب بعد عمق قوله تعالى:
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾.
إنها دعوة للتأمل في قيمة الإنسان ومكانته، لا من باب التعالي أو الغرور، بل من باب إدراك التكريم الإلهي الذي خُصَّ به هذا المخلوق.
كثير من مشاعر النقص التي نعانيها، وكثير من حالات التذلل للآخرين، والتملق، والنفاق الاجتماعي، والخوف المبالغ فيه من أحكام الناس علينا، تنبع من جهلنا بقيمتنا الحقيقية. فحين لا يعرف الإنسان قدر نفسه، يصبح أسير نظرات الآخرين، يتألم من أقل تنمر، ويهتز أمام أول مواجهة، وربما يعجز حتى عن الدفاع عن حقه أو التعبير عن رأيه.
إنه منزلق خطير ينقل الإنسان من سماء الروح إلى حضيض المادة، فينسى جوهره وينشغل بالمظاهر، ويبحث عن قيمته فيما يملكه أو فيما يقوله الناس عنه، بينما تكمن قيمته الحقيقية في ذلك التكريم الرباني الذي منحه الله له.
وأعجب لمن يستهين بنفسه وقد كرّمه الله، وأعجب لمن يقلل من شأن ذاته وهو يحمل في داخله نفحة ربانية تدعوه إلى السمو والارتقاء. فمن يعظّم الله حق التعظيم، يدرك عظمة هذا التكريم، فيحترم نفسه دون كبر، ويصون كرامته دون غرور.
وليس المقصود أن يعظم الإنسان ذاته حتى يقع في داء العظمة، فالعظمة لله وحده. وإنما المقصود أن يعرف قدر نفسه الحقيقي، فلا يذلها لأحد، ولا يبيع كرامته طلبًا لرضا الناس، ولا يسمح للخوف أو النقص أن يسلباه مكانته التي وهبها الله له.
ومن يوفق إلى هذا الفهم، يفز فوزًا عظيمًا في الدنيا قبل الآخرة. يعيش محترمًا، مطمئنًا، متوازنًا. قد يُحارب، بل ربما يُحارب بشدة، لكن الفرق أنه لن ينكسر. لأن قوته لم تعد مستمدة من رضا الناس عنه، بل من معرفته بنفسه وربه.
سيظل هناك من لا يستسيغ هذا السلام الداخلي، ومن يضيق ذرعًا بمن عرف قيمته الحقيقية، لأن الفارق بين من اكتشف نفحته الربانية ومن لا يزال يبحث عن ذاته في أعين الآخرين، فارق شاسع.
إنها حالة من الصفاء والنقاء يصعب وصفها بالكلمات. كأن الروح تتحرر من أثقال كثيرة حملتها طويلًا. كأن القلب يشرب من معين السكينة. وكأن الإنسان يعيش شيئًا من نعيم الطمأنينة قبل أن يلقى نعيم الآخرة.
هناك يصبح ذكر الله ملاذًا، والرضا سكنًا، واليقين نورًا، وتصبح الحياة أخف وطأة مهما اشتدت الظروف.
وحينها يفهم الإنسان أن رحلته الحقيقية ليست إلى الناس، بل إلى نفسه أولًا، ثم إلى الله.
فابحثوا عن تلك النفحة الربانية في أعماقكم، فهي باب الطمأنينة، وسر القوة، ومفتاح السلام الداخلي.
إلى ذلك الحين، أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
بقلمي
رجاء التوبي
عاشقة للوطن