حين نقرأ قول إبليس: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾، قد نظن أن الآية تتحدث عن قصة مضت وانتهت، بينما هي في الحقيقة مرآة تكشف لنا أحد أخطر أمراض النفس البشرية: الهروب من تحمّل المسؤولية.
إبليس لم يقل: أخطأتُ، ولم يقل: ظلمتُ نفسي، ولم يعترف بأن الكِبر هو الذي أسقطه من مقام الطاعة إلى درك اللعنة. بل بحث عن مبرر يعلّق عليه سقوطه، وكأن النفس حين تعجز عن مواجهة حقيقتها تبحث دائمًا عن شماعة تُعلّق عليها أخطاءها.
وهنا تكمن العبرة.
كم من إنسان يُلقي اللوم على الظروف، أو على الناس، أو على الزمان، أو حتى على القدر، بينما الحقيقة أن الله وهبه عقلًا يختار به، وقلبًا يميّز به، وروحًا تهتدي بنوره إذا صدقت في طلب الهداية.
لقد أراد إبليس أن يُغوي الخلق جميعًا، فقال: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، لكنه اعترف في اللحظة نفسها بعجزه أمام فئة من الناس، فقال: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾.
تأملوا هذا السر العظيم...
الشيطان لا يخشى القوة ولا المال ولا المناصب، لكنه يخشى القلب الذي امتلأ بالله، ويخشى الروح التي وجدت طريقها إلى ربها، ويخشى العبد الذي كلما تعثر عاد إلى السجود، وكلما أذنب استغفر، وكلما أظلمت الدنيا حوله أوقد في داخله نور الذكر.
فالنجاة ليست في أن تكون بلا أخطاء، وإنما في أن تكون دائم الرجوع إلى الله.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان ليس الذنب، بل الإصرار عليه. وليس السقوط، بل تبرير السقوط. وليس البعد عن الطريق، بل الاعتقاد أن الطريق هو الذي ابتعد عنه.
لذلك كان الصالحون يخافون من عيوب أنفسهم أكثر مما يخافون من عيوب الناس، ويحاسبون قلوبهم قبل أن يحاسبوا غيرهم، لأنهم أدركوا أن الشيطان يدخل من أبواب الغرور قبل أن يدخل من أبواب المعصية.
فإن وجدت في قلبك انكسارًا فاحمد الله، لأن المنكسر لله أقرب إلى النجاة من المتكبر بطاعته.
وإن وجدت نفسك تُلقي اللوم على الجميع، فتوقف قليلًا واسأل روحك: هل المشكلة حقًا في الآخرين، أم أن الله يدعوني لأرى ما في داخلي أولًا؟
ما بين آدم وإبليس فرقٌ عظيم؛ آدم أخطأ فقال: "ربنا ظلمنا أنفسنا"، وإبليس أخطأ فقال: "بما أغويتني".
فاختر أي الطريقين تسلك...
طريق الاعتراف الذي يقود إلى الرحمة، أم طريق التبرير الذي يقود إلى الهلاك.
بقلمي: رجاء التوبي – عاشقة للوطن