لم يعد الإنسان اليوم يعيش واقعًا واحدًا، بل أصبح موزعًا بين واقع يعيشه، وعالم افتراضي يتابعه، وآراء تتدفق عليه من كل اتجاه حتى بات عاجزًا أحيانًا عن تمييز صوته الحقيقي وسط هذا الضجيج.
نستيقظ على خبر، وبعد دقائق يظهر من ينفيه. نقرأ رأيًا، فتنهال علينا عشرات الآراء المضادة. ندخل إلى مواقع التواصل بحثًا عن معلومة، فنجد أنفسنا أمام معارك كلامية، وصراعات فكرية، وموجات من التأثير والتوجيه، حتى أصبح كثير من الناس تائهين بين الواقع
والمواقع.
في زمن مضى، كان الإنسان يبحث عن الحقيقة في كتاب أو عند أهل العلم والخبرة. أما اليوم فقد أصبح الهاتف مكتبة ومنبرًا ومحكمة وساحة قتال في آن واحد. الكل يتحدث، والكل يعلّق، والكل يظن أنه يمتلك الحقيقة الكاملة، بينما الحقيقة نفسها تضيع أحيانًا بين كثرة الأصوات.
والمؤسف أن بعض الناس لم يعودوا ينقلون الواقع كما هو، بل كما يريدون له أن يكون. فتجد من يجمّل القبيح، ومن يهوّل البسيط، ومن يصنع من الوهم حقيقة، ومن يقدّم رأيه على أنه قانون لا يقبل النقاش.
وأمام هذا المشهد، أصبح الإنسان البسيط حائرًا: أيّ الروايات يصدق؟ وأيّ الأخبار يتبع؟ وأيّ طريق يسلك؟
لقد تحولت بعض المنصات من فضاءات للتواصل إلى أسواق للأفكار المتصارعة، وأصبح كثيرون يرددون ما يسمعون دون تمحيص أو تفكير، وكأنهم فقدوا حقهم في التساؤل والتحليل.
ووسط هذا الضجيج، يبقى الحل في العودة إلى العقل. أن نتعلم التحقق قبل التصديق، وأن نمنح أنفسنا فرصة للتفكير قبل الانجراف خلف كل موجة جديدة. فليس كل ما يُنشر حقيقة، وليس كل ما يلقى آلاف الإعجابات صوابًا.
إن أخطر ما يمكن أن يفقده الإنسان ليس المعلومة، بل القدرة على التمييز بين الحقيقة والضجيج. فالعقول الواعية لا تنقاد لكل ما يقال، بل تبحث وتفكر وتزن الأمور بميزان الحكمة.
وفي النهاية، سيظل الواقع أقوى من كل المواقع، وستبقى الحقيقة ثابتة مهما حاول البعض إخفاءها أو تزييفها. أما الضجيج، فمصيره أن يهدأ، وتبقى فقط الأصوات الصادقة التي كانت تبحث عن النور وسط العتمة.
بقلمي: رجاء التوبي.
عاشقة للوطن.