في لحظات الفقد، حين يرحل عزيز عن أهله بعيداً عن أرض الوطن، لا يكون الألم وحده هو ما يثقل كاهل الأسرة، بل تمتد المعاناة أحياناً إلى متاهات الإجراءات الإدارية وتعقيدات الترحيل والتنسيق بين مختلف الجهات المتدخلة. ومن هذا الوعي الإنساني العميق، جاء تأسيس “تكتل مؤسسات الدفن والنقل الجنائزي الفرنسية المغربية” ليجعل من كرامة الراحل وطمأنينة ذويه أولوية لا تقبل المساومة.
ففي منطقة فال دواز الفرنسية، اجتمعت عشرات المؤسسات المتخصصة في خدمات الدفن والنقل الجنائزي، حضورياً وعن بعد، لتعلن عن ميلاد إطار مهني جديد يهدف إلى توحيد الجهود وتطوير الخدمات المقدمة للجالية المغربية المقيمة بالخارج، خاصة في الظروف الاستثنائية التي ترافق وفاة أحد أفرادها.
ولا يخفي أعضاء التكتل أن الدافع الأساسي وراء هذه المبادرة هو تخفيف العبء عن الأسر المفجوعة، التي تجد نفسها في كثير من الأحيان أمام سلسلة طويلة من الإجراءات الإدارية والتراخيص القنصلية والتنسيق مع شركات التأمين والنقل الجوي والسلطات المحلية. وهي تفاصيل قد تتحول إلى مصدر معاناة إضافية في وقت تكون فيه العائلة في أمسّ الحاجة إلى المواساة والدعم.
ويطمح التكتل إلى إرساء نموذج جديد في التعامل مع هذا الملف الإنساني الحساس، يقوم على السرعة في إنجاز المساطر، واحترام الشعائر الدينية الإسلامية، وضمان نقل المتوفين في ظروف تحفظ كرامتهم وتراعي مشاعر ذويهم. كما يسعى إلى بناء شراكات فعالة مع المؤسسات المغربية والفرنسية، والعمل بشكل منظم مع القنصليات وشركات التأمين والجهات المعنية لتجاوز مختلف الإكراهات التي تواجه الأسر.
ويرى المتتبعون أن هذه الخطوة تعكس وعياً متزايداً بأهمية مواكبة أفراد الجالية المغربية بالخارج في مختلف مراحل حياتهم، وحتى في أصعب اللحظات التي تفرضها سنة الحياة. فمع تزايد أعداد المغاربة المقيمين في الخارج، بات من الضروري توفير خدمات أكثر تنظيماً وفعالية وإنسانية، تضع احتياجات الأسر فوق أي اعتبارات أخرى.
ويؤكد القائمون على هذه المبادرة أن الهدف لا يقتصر على تطوير الجانب المهني للقطاع، بل يتعداه إلى ترسيخ قيم التضامن والمسؤولية المشتركة، من خلال اعتماد ميثاق أخلاقي يجعل احترام الإنسان وصون كرامته أساس كل تدخل أو إجراء.
وفي النهاية، تحمل هذه المبادرة رسالة قوية إلى مغاربة العالم مفادها أن روابط الانتماء للوطن لا تنقطع عند حدود الحياة، وأن الكرامة التي يستحقها الإنسان تبقى حقاً ثابتاً حتى في رحلته الأخيرة. فخدمة الأسر في لحظات الفقد ليست مجرد مهمة إدارية أو نشاط مهني، بل هي أمانة إنسانية ومسؤولية جماعية تستوجب الكثير من التعاطف والاحترام والالتزام وفقكم الله لخدمة البلاد والعباد.