في خضمّ تحوّلات عالمية متسارعة، وعلى بُعد خطوات من تلال الكابيتول المشرفة على روما الخالدة، انعقدت في السابع من مارس 2025 — وعشية اليوم العالمي للمرأة — فعالية دولية لافتة تحت عنوان "نساء من العالم والمواطنة"، حملت في طيّاتها طموحاً أكاديمياً وحساسية دبلوماسية نادرة.
احتضنت قاعة كاروتشيو الأثرية في قصر السيناتوريو هذا اللقاء الذي جمع تحت سقف واحد باحثات وسفيرات ومسؤولات وصحفيات وفنانات، قادمات من أربع رياح الأرض، متّحدات في سؤال واحد: كيف يمكن لتمكين المرأة أن تصنع عالماً أكثر عدلاً وأمناً واستدامة؟
نظّمت هذا الحدث أكاديمية المغربيات في العالم (AMdM) — المؤسسة المعرفية والثقافية العابرة للحدود — برعاية المدينة الحضرية لروما العاصمة، في إشارة رمزية بالغة الدلالة على الاعتراف الرسمي الإيطالي بأهمية قضايا المرأة في صميم الأجندات الحضرية والسياسية..
أضفت كلمات الافتتاح المنتقاة بعناية على الجلسة طابعاً دبلوماسياً رفيعاً. استهلّت البروفيسورة مونية العلالي، رئيسة أكاديمية المغربيات في العالم، اللقاءَ بخطاب تأسيسي يرسم أفق الرؤية: التمكين ليس منحة تُقدَّم للمرأة، بل هو حق يُستعاد ومسيرة تُبنى بالمعرفة والحضور والتنظيم المؤسسي.
جاء ترحيب تيتسيانا بيولغيني، مستشارة الجمعية الرأسمالية لروما والمستشارة المفوَّضة لتكافؤ الفرص وسياسات التشارك، تأكيداً على أن العاصمة الإيطالية باتت تنظر إلى قضايا المرأة نظرة حوكَمة راسخة، لا خطاباً موسمياًوأسهمت كلمة لوكا فراتيني، المنسّق الوطني لأجندة المرأة والسلام والأمن في وزارة الخارجية الإيطالية، في ترسيخ الحدث داخل منظومة الالتزامات الدولية المنبثقة عن قرار مجلس الأمن الأممي
رقم 1325، الذي يجعل من مشاركة المرأة في صنع السلام والأمن ركيزةً استراتيجية لا تنازلاً تكتيكياً.
وكان من أبرز اللحظات الدبلوماسية تلقّي الحضور رسالةً مصوَّرة من سعادة السفيرة جوسيفا ساكو، سفيرة جمهورية أنغولا لدى إيطاليا، تبعها تحيّة شخصية من المستشارة أنابيلا مِيالا، في تجسيد حيّ لانخراط دبلوماسي أفريقي فاعل في محافل النقاش المتعلقة بحقوق المرأة.

قدّمت الجلسة منظوراً متكاملاً للتمكين يربط بين بُعديه الأمني والاقتصادي، مؤكّداً أن المرأة لا تستطيع أن تتقدّم في فراغ، بل تحتاج إلى بيئة آمنة وموارد متاحة وأُطر قانونية حامية.
تناولت لوتشيا دي غريماني، رئيسة رابطة CNA للمرأة في روما ولاتسيو وسفيرة هواوي لتمكين المرأة رقمياً، ملفّ الاقتصاد الرقمي ودوره في كسر الحواجز الجغرافية والاجتماعية أمام المرأة المقاولة.
وفي المقابل، عرضت أنتونيا ماريا سبارتا، نائبة المفوّض في شرطة الدولة، منظوراً أمنياً يرى في معرفة المرأة بحقوقها ووسائل حمايتها شكلاً راسخاً من أشكال التمكين الفعلي. أمّا المحامية مونيكا دي مونتي فقد قدّمت محور الشرعية والقانون بوصفه درعاً يقي المرأة ويُسوّي الفرص في سياق تعاني فيه النساء المهاجرات بصفة خاصة من ثغرات تشريعية متعددة. وأتمّ إميليانو باكي، رئيس لاتسيو فيناندزا، هذا المشهد الاقتصادي بعرض الأدوات المالية الميسَّرة التي يمكن أن تجعل من المرأة ريادية ومنتِجة في أسواق سياقها في أغلب الأحيان لا يسانده.
أضاءت جلسة البحث العلمي على وجه آخر للتمكين: المرأة العالِمة التي تشتغل في ميادين الأبحاث الطبية والأكاديمية والدبلوماسية العلمية. بدأت الجلسة بكلمة مصوَّرة للبروفيسورة أنطونيلا بوليميني، مدير جامعة سابيينتسا في روما — أكبر جامعات أوروبا — في رسالة رمزية تؤكد أن المؤسسة الأكاديمية العريقة تعتبر مشاركة المرأة في العلم قضيةً استراتيجية لا ترفاً.
استعرضت الدكتورة سناء اديري ، نائبة رئيسة أكاديمية المغربيات في العالم في فرنسا وطبيبة متخصصة في فيزيولوجيا الأمراض النادرة في مستشفى جامعة تولوز الجامعي، كيف يمكن للبحث العلمي أن يصبح فعلاً إنسانياً حين يُوجَّه نحو مرضى الهامش والمنسيين. وعرضت البروفيسورة وفاء مهادي، نائبة الرئيسة في المملكة المتحدة، تجربة النساء الباحثات في المنظومة الأكاديمية البريطانية بوصفها نموذجاً لدمج المعرفة بالتعاون الدولي.
وختم البروفيسور جوستينو سيتيدوكاتي هذا الفصل بالحديث عن "أسلحة الحوار" في الدبلوماسية الدولية، في قراءة تُقحم العلم الاجتماعي في معادلة السلام العالمي.
لعلّ أكثر فصول المؤتمر إنسانيةً كان ذلك المخصَّص للتواصل والتعبير، حيث بدا جلياً أن النساء اللواتي يملكن منابر التعبير يملكن بالتبعية أدوات صنع التغيير.
فتح الصحفي كارلو تشافوني، المسؤول عن قسم "عالم التضامن" في صحيفة لا ريبوبليكا، نافذةً على أفغانستان والهند عبر شهادات ميدانية تصف ما يحدث حين تسرق حرية المرأة بيد القوانين والأعراف وطغيان الخوفوتأمّلت الكاتبة والباحثة لوريدانا كورنيرو إشكالية الفارق بين "تمثيل" المرأة في الفضاء العام و"تصويرها" فيه، مؤكّدةً أن كثيراً من الصور النمطية تُعيد إنتاج الهشاشة بدل أن تكسرها.
جاءت المصمّمة العالمية نيرا لايسي، عضو شبكة "Muheres do Brasil"، لتثبت أن الموضة لا تعني الزينة فحسب، بل هي لغة ثقافية تجمع وتوحّد وتُعبّر عن هوية المرأة المهاجرة في قارات متفرقة. وعلى منوالها، تحدّث الصحفي ومُيسّر الحوار الثقافي أحمد إيجاز عن "قوة المرأة المهاجرة" ودورها في بناء جسور بين ثقافتين أو أكثر في آنٍ واحد. وأسدلت البروفيسورة ليلى الحوسي، الباحثة في تاريخ أفريقيا بجامعة سابيينتسا وممثّلة المركز الاجتماعي الثقافي التونسي، الستارَ على هذا الفصل بمحور مثير: كيف يمكن أن تُروى قصة تونس المرأة والديمقراطية للعالم بلغة التواصل الحديثة.
أضافت مونيكا تشيكي، نائبة رئيسة اللجنة الوطنية الإيطالية لليونسكو، بُعداً حضارياً للنقاش حين عرضت رؤية المنظمة الأممية لتحقيق الإنجاز الكامل للمرأة في ظل عالم يشهد تفاوتات صارخة في الوصول إلى التعليم والثقافة والمشاركة. وكانت رسالتها واضحة: اليونسكو لا ترى في تمكين المرأة هدفاً تنموياً فحسب، بل رسالة حضارية تمتد عبر الأجيال.
مع اقتراب الساعة السابعة والنصف مساءً، أسدلت أكاديمية المغربيات في العالم الستار على يوم استثنائي بكلمة شكر من البروفيسورة مونية علالي، تبعتها تحيّات الباحثات الأعضاء من إيطاليا والمملكة المتحدة وفرنسا: رشيدة المزياوي، حسناء شهاب، أمال العودني، سعدية جلول، سناء الراقي ، ، وفاء مهادي، سناء ادري.

وفي الكلمة الختامية التي قدمت الأستاذة عائشة بوعزة تحمل في طيّاتها قيمة بروتوكولية واضحة، إذ جاءت في اللحظة التتويجية للمؤتمر، موجَّهة إلى أربع فئات من الحضور — السيادات العليا، الشخصيات الرسمية، البروفيسورة مونية علالي بالاسم، والضيوف الكرام.
أولاً: التقدير المؤسسي لأكاديمية المغربيات في العالم أبرزت المداخلة بصراحة غير مألوفة في الخطاب الرسمي أن الأكاديمية ليست مجرد هيئة ثقافية، بل منظومة معرفية قادرة على ربط مناهج المعرفة بالتجارب الإنسانية المتعددة، والنظر إلى العالم من نوافذ متعددة في آنٍ واحد. وفي هذا اعتراف ضمني بأن الأكاديمية تحتلّ مكانة لا يشغلها كثير من المؤسسات الأكاديمية الرسمية.
ثانياً: إعادة تعريف التمكين بوصفه ضرورة حضارية لا مطلباً حقوقياً فحسب الجملة المحورية في هذه المداخلة هي القول بأن تمكين المرأة "ليس مجرد مبدأ للمساواة، بل شرط لا غنى عنه لتقدم المجتمعات وجودة الديمقراطية". هذا التأطير يُخرج القضية من دائرة المطالبات إلى دائرة الحوكمة والسياسة العامة، وهو إسهام فكري جوهري يُحسب لمن وضعه في هذا الإطار.
ثالثاً: المواطَنة العالمية بوصفها أفقاً مشتركاً ربطت الكلمة بشكل موفَّق بين ما يجري داخل قاعة كاروتشيو وما يجري في العالم الأوسع، حين أشارت عائشة بوعزة إلى أن هذا النوع من اللقاءات يُغذّي "المواطنة الكونية" — وهو مفهوم يتقاطع مع أجندة اليونسكو وأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، مما يرفع من ثقل هذا المؤتمر ويضعه في سياقه الأممي الصحيح.
رابعاً: الجملة الختامية — لحظة شعرية في قلب الخطاب الدبلوماسي اختارت المتحدثة أن تُنهي كلمتها بعبارة استثنائية في دفئها وعمقها: "حين تلتقي نساء العالم عبر المعرفة والحوار والتضامن، فإنهن لا يبنين شبكات تعاون فحسب، بل يفتحن آفاقاً جديدة من السلام والتنمية والحضارة للأجيال القادمة." هذه الجملة تستحق أن تُقتبس في البيانات الرسمية، لأنها تجمع بين الشاعرية والرؤية الاستراتيجية بأناقة نادرة.
جاءت هذه المداخلة نموذجاً ناضجاً للخطاب الدبلوماسي الأكاديمي الذي يُحسن التوازن بين الامتنان الرسمي والإضافة الفكرية الحقيقية. لم تكتفِ بتقديم الشكر بالمعنى البروتوكولي، بل حوّلت لحظة الختام إلى مساهمة مفاهيمية تُعلي من قيمة ما أنجزه المؤتمر وتُرسّخه في الذاكرة الجماعية للحضور. وهو ما يجعلها بحق كلمة ختامية بامتياز، تُختم بها الأعمال لتفتح الأبواب نحو ما يأتي.
لم يكنهذاالمؤتمرمجرداحتفاءبيومالمرأة. كاناختباراًحياًلإمكانيةحوارمتحضّريتجاوزالهوياتالوطنيةوالانتماءاتالسياسية،ليصلإلىماهوأعمق: الإيمانالمشتركبأنالمرأة — حينتُعطىالمعرفةوالأمانوالمنبر — تُحوّلالعالم. وروما،بتاريخهاالممتدآلافالسنين،كانتالشاهدةالأنسبعلىهذاالإعلان.