محمد مريزيقي: مؤرخ وكاتب وصحفي.
في الوقت الذي تتراشق فيه الفرق البرلمانية باتهامات لا تليق بالمقام، وكأن الحملة الانتخابية لا تزال قائمة، وفي الوقت الذي تتداول فيه المنصات والصفحات الإلكترونية قضية الانتماء الحزبي لطبيب أصبح وزيراً للصحة بقدرة قادر، وقصص وزراء جدد وقدماء لا تزال تحوم حولهم اتهامات خطيرة...
وفي الوقت الذي خرج فيه من يُعرف بجلاد درب مولاي الشريف، يعطي لرئيسة الحكومة علناً وبدون حياء، من على منبر قبة مجلس المستشارين الموقر، درساً في النسب والحسب وفي الشرف النقي وفي المواطنة...
في نفس كل هذه الأوقات الغريبة، حكمت المحكمة الزجرية عين السبع بالسجن لسنة كاملة على البروفيسور رشيد شرقاب، أستاذ جامعي مقتدر وطبيب مميز مشهود له بالنزاهة والخبرة. ذنبه الوحيد هو التنكر العلني لسلوكيات لا أخلاقية ولا مهنية، والتبليغ عن شبهات فساد وسوء تدبير يعيشها مستشفى عمومي هيمنت عليه الزبونية والمحسوبية، تُمارَس فيه عمليات طبية ثقيلة في ظروف صحية وإنسانية غير ملائمة، يعتبر جُل الأطباء النزهاء أنها تشكل خطراً على صحة وسلامة المرضى.
وهذا ما أكده وأبان عن صحته زملاء الدكتور رشيد شرقاب من أشخاص شرفاء أجلاء تعرضوا لنفس المضايقات ونالوا من نفس العقوبات السجنية القاسية. وذنبهم الوحيد جميعاً هو رفضهم الصمتَ على الخروقات المهنية والتدبيرية التي يعرفها المستشفى الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء، بدون رقيب ولا حسيب.
أي مفارقة هذه؟
احترام حقوق المريض والأمانة وقيم المهنة وقسم أبقراط أصبح جريمةً وذنباً يعاقب عليه القانون بالسجن. وأما هدر المال العام وتضارب المصالح والغش في الانتخابات وتزوير نتائجها والتنكر للوعود، فقد أصبحت سلوكيات محمية.
فهل أصبحت ممارسة السياسة مهنة مقدسة ومظلة يختبئ تحت ظلالها من شاء الاستغناء السريع والريع الحزبي الوفير؟
فكيف يسكت المواطن النزيه الغيور على كرامة وطنه وصحة وكرامة شعبه أمام هذا الوضع المزري؟ من يحمي إذاً الطبيبَ والصحفي والمحامي الذي يجعل المصلحة العامة والنزاهة في قلب اهتماماته، من شر التشهير والتخويف والحرمان من حقوقهم الشخصية والمهنية المشروعة؟
مكانهم ليس خلف قضبان السجن
مكان هؤلاء الشرفاء — الدكتور رشيد شرقاب وزملائه في العمل وفي النضال — ليس وراء قضبان سجن عكاش، بل هو في مكان عملهم وبين مرضاهم.
أملنا ورجاؤنا اليوم، كمواطنين وحقوقيين حريصين على سمعة بلدنا في الخارج وعلى وحدته في الداخل، أن تقول محكمة الاستئناف الموقرة كلمتها لصالح أطباء ونقابيين يريدون الإصلاح ويطالبون بربط المسؤولية بالمحاسبة. وهذا واجب وطني وإنساني يجب حمايته من بطش المتربصين بحقوق المواطن والمريض والعامل الضعيف والشاب العاطل.