FR AR
شارك على :

الهجرة إلى سبتة بين أزمة الحقوق وخطاب القيم.. قراءة نقدية في تدوينة رئيس تاماينوت

ليس من السهل أن يختلف أحد أبناء تاماينوت مع رئيسها. فهذه المنظمة ليست مجرد إطار جمعوي، بل مدرسة نضالية ساهمت، على امتداد عقود، في تكوين أجيال من المدافعين عن الحقوق اللغوية والثقافية والسياسية والاقتصادية للشعب الأمازيغي، وفي ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان باعتبارها الإطار المرجعي لأي نقاش حول الدولة والمجتمع.

لهذا السبب، فإن قراءة التدوينة الأخيرة لرئيس المنظمة حول أحداث سبتة لا يمكن أن تُفهم باعتبارها ردًا على رأي شخصي، وإنما باعتبارها مساءلة لخطاب يصدر عن موقع يفترض فيه أن يجسد المرجعية الحقوقية التي راكمتها منظمة تاماينوت منذ تأسيسها.

لقد انطلقت التدوينة من مسلمة منهجية سليمة، وهي أن الظواهر الاجتماعية معقدة ولا تخضع لتفسير واحد، في إحالة واضحة إلى النقاش الكلاسيكي بين التفسير الوضعي والتفسير الفهمي في علم الاجتماع. غير أن هذا المدخل سرعان ما فقد انسجامه عندما انتهى النص إلى تفسير ظاهرة الهجرة الجماعية نحو سبتة باعتبارها، في جانب أساسي منها، نتيجة لتفكك القيم، وصعود الفردانية، وهيمنة ما سُمّي بثقافة الغنيمة.

وهنا يبرز جوهر الاختلاف.

فالمنظور الحقوقي لا يجعل السؤال الأخلاقي نقطة انطلاق لتحليل الظواهر الاجتماعية، وإنما يجعل الإنسان وحقوقه في المركز. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس: ما الذي أصاب قيم المجتمع؟ بل: ما الذي جعل آلاف المواطنين يفقدون الثقة في إمكانية العيش الكريم داخل وطنهم؟

إن الهجرة، وفق الأدبيات السوسيولوجية والاقتصادية المعاصرة، ليست في المقام الأول أزمة أخلاق، بل هي نتيجة مباشرة لاختلالات بنيوية تتعلق بالعدالة الاجتماعية، والتوزيع غير المتكافئ  للتقسيم العادل للسلطة والثروة،والشراكة في القيم. وغياب تكافؤ الفرص، وضعف السياسات العمومية، وانسداد آفاق الإدماج الاقتصادي والاجتماعي.

ومن هذا المنطلق، فإن تحويل النقاش من مساءلة البنيات إلى مساءلة القيم ينطوي على خطر معرفي وحقوقي في آن واحد، لأنه ينقل مركز المسؤولية من المؤسسات والسياسات العمومية إلى الأفراد أنفسهم، ويجعل الضحية تبدو وكأنها مسؤولة، جزئيًا، عن المأساة التي تعيشها.

وهذا لا ينسجم مع الفلسفة الحقوقية التي تأسست عليها تاماينوت.

لقد دافعت المنظمة، منذ نشأتها، عن الأمازيغية باعتبارها قضية عدالة، لا باعتبارها مجرد قضية هوية. وكانت تناضل من أجل الاعتراف بالأرض، واللغة، والثقافة، والحق في التنمية، والعدالة المجالية، وتقليص الفوارق الاجتماعية، باعتبارها حقوقًا مترابطة وغير قابلة للتجزئة.

ومن ثم، فإن أي تحليل للهجرة يغفل التهميش التاريخي الذي عرفته مناطق أمازيغية واسعة، ويغفل هشاشة البنيات الاقتصادية، وغياب الاستثمار العمومي، وضعف الخدمات الأساسية، يبقى تحليلًا ناقصًا، مهما كانت وجاهة بعض ملاحظاته الأخلاقية.

لقد أكد إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية أن للشعوب الأصلية الحق في التنمية، وفي تحسين أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، وفي المشاركة في اتخاذ القرار بشأن مواردها وأراضيها. كما نص العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على الحق في العمل، والحق في مستوى معيشي لائق، والحق في التنمية البشرية.

وهذه المرجعيات لا تنظر إلى الهجرة باعتبارها أزمة قيم، وإنما باعتبارها مؤشرًا على اختلال منظومة الحقوق.

كما أن الربط بين الهجرة وبين ظواهر مثل اقتصاد المؤثرين أو التسول الاحترافي أو البحث عن الشهرة في وسائل التواصل الاجتماعي يظل، من الناحية المنهجية، ربطًا يحتاج إلى إثبات علمي. فالعلاقة الزمنية بين ظاهرتين لا تكفي لإثبات العلاقة السببية بينهما، وإلا تحول التحليل الاجتماعي إلى سلسلة من الانطباعات الشخصية.

لقد تجاوز علم الاجتماع منذ زمن بعيد الأطروحات التي كانت تفسر الأزمات الاجتماعية بالانهيار الأخلاقي وحده، وانتقل إلى تحليل البنيات الاقتصادية والسياسية والثقافية باعتبارها المحدد الأساسي لسلوك الأفراد والجماعات.

ومن هذا المنطلق، فإن آلاف الشباب الذين عبروا نحو سبتة لا يمثلون أزمة أخلاقية، وإنما يمثلون أزمة ثقة في الدولة، وأزمة عدالة اجتماعية، وأزمة نموذج تنموي، وأزمة توزيع للفرص والثروة والاعتراف.

لقد علمتنا تاماينوت أن الدفاع عن الإنسان يبدأ بالدفاع عن حقه في الكرامة، لا بالحكم على اختياراته تحت ضغط الفقر والتهميش واليأس.

وعلمتنا أن مساءلة السلطة مقدمة على مساءلة الضحية.

وعلمتنا أن الحقوق لا تُختزل في اللغة والثقافة، بل تشمل الحق في التنمية، والعدالة المجالية، والمساواة، والعيش الكريم.

لهذا، فإن الوفاء الحقيقي لتاريخ تاماينوت يقتضي أن يظل خطابها منسجمًا مع مرجعيتها الحقوقية، وأن يستمر في الانحياز إلى الإنسان، لا في تفسير مأساته بمنطق أخلاقي قد يُفهم منه، ولو بغير قصد، أنه ينقل جزءًا من المسؤولية من السياسات العمومية إلى الضحايا أنفسهم.

إن قوة تاماينوت لم تكن يومًا في تقديم المواعظ، بل في امتلاك الجرأة على مساءلة السلطة، والدفاع عن المهمشين، والانتصار لقيم الحرية والكرامة والعدالة.

وهذا، في تقديري، هو الإرث الذي يستحق أن نصونه، وأن ندافع عنه، وأن نورثه للأجيال القادمة.
بقلم: إبن القرية ،والواحة،والإسه...الفكر...،: أحمد ليديب.
في إطار...

Région
Souss - Massa
Guelmim - Oued Noun
Partager sur :