FR AR
شارك على :

تيزنيت.. تصنع ذاكرتها بسواعد أبنائها..

بقلم محمد الشيخ بلا

وأنا أتجول في أروقة النسخة الرابعة من احتفالية "تيفلوين" بمدينة تيزنيت، لم أكن مجرد زائر عابر يتنقل بين الفضاءات، بل شاهدا على فكرة وهي تكبر، وعلى حلم يخلع عنه دهشة البدايات الأولى، ليرتدي يقين الجماعة وطمأنينة التبني.

هناك، بين الوجوه، والعروض، والتفاصيل الصغيرة التي لا يلتقطها إلا من ينصت جيدا، أدركت أن ما بدأ ذات يوم همسا في دائرة ضيقة، صار اليوم صوتا جماعيا، له نبرة المدينة وملامح أهلها.. رأيت الفكرة وهي تعبر الزمن، من مرحلة التصور الحذر، إلى زمن الانفتاح، ثم إلى لحظة ومرحلة النضج.

أربع سنوات كانت كافية لتتحول "تيفلوين" من مجرد احتمال جميل إلى حقيقة لا يمكن إنكارها، ومن اجتهاد أفراد إلى مشروع تتقاسمه المؤسسات، وتحتضنه الفعاليات، ويتبناه الناس دون وصاية ولا تردد، ولا غرابة، فالإيمان بالفكرة كان واضحا في العيون، والانخراط في الفعاليات كان ملموسا في السلوك والعمل، لا في الشعارات.

وما شد الانتباه أكثر، هو تلك الرغبة الصادقة في المشاركة وفي الانخراط، والرغبة الأصدق في أن يكون لكل واحد من أبناء المدينة والاقليم موضع قدم في هذا الاحتفال. 

مرونة المنظمين لم تكن مجرد خيار تنظيمي، بل كانت فلسفة قائمة بذاتها.. الإصغاء للأفكار، واستقبالها وتقبلها، ودمجها في التصور العام للاحتفالية، دون خوف من الاختلاف، ودون تعال على المقترحات، وهكذا تحولت الفكرة إلى ملك مشترك، وهكذا كتبت لها الحياة.

في الوجوه التي صادفتها بعين المكان، مغاربة وأجانب، قرأت غبطة الاكتشاف وسرور الدهشة، كما رأيت مدينة تقدم نفسها بثقة، دون تكلف، وتفتح ذاكرتها للآخرين تماما كما تفتح النوافذ في كل صباح مشمس، الجميع كان حاضرا، يسعى، يقترح، يشرح، ويحتفي، وكأن تيزنيت قررت، في هذه اللحظة بالذات، أن تحكي عن نفسها بنفسها، وأن تظهر أجمل ما فيها، لا بالصخب، بل بالمعنى.

كان التنظيم محكما، لكن الأهم من ذلك، كان هو مستوى التملك الذي يبدو لي أنه كان عاليا.

لم تكن "تيفلوين" حدثا يدار من فوق، بل كانت تجربة يعيشها الجميع من الداخل، وهنا بالضبط، يصبح من حق جماعة تيزنيت أن تفتخر، لا فقط بالاحتفالية، بل بالتبني والاحتضان المجتمعي لفكرتها، وبالتحول العميق الذي جعل الثقافة فعلا يوميا، لا موسما عابرا.

ولعل أجمل ما في "تيفلوين" أنها لم تحاول فقط أن تكون مرآة للآخر، ولا نسخة محسنة من تجارب مستوردة، بل اختارت أن تنصت لذاكرتها المحلية، وأن تستخرج من تفاصيلها اليومية ما يستحق الاحتفاء.. هنا، لم تكن الثقافة عرضا للاستهلاك، بل سلوكا جماعيا، ولم يكن التراث صورة جامدة، بل مادة حية تتحرك وتتفاعل وتعيد إنتاج ذاتها في الحاضر، بلغة بسيطة وعميقة وصادقة.

وما يزيدها جمالا وعمقا كذلك، أنها لم تفصل الاحتفالي عن التنموي، بل جعلت من الثقافة رافعة للتنمية، ومن الاحتفال أفقا للتفكير في المستقبل، حيث يلتقي الرمز بالفعل، والذاكرة بالمشروع، ولذلك، لا يبدو القادم إلا أبهى، ما دامت الفكرة حية، والإرادة جماعية، والإيمان بها وبنجاحها أعمق وأكبر.

وبهكذا مميزات، بدت تيزنيت، وكأنها تصنع ذاكرتها بسواعد أبنائها، تماما كما بدت "تيفلوين" أكثر من احتفالية، ومسارا هادئا لبناء الثقة بين المدينة ونفسها، وبين الإنسان ومحيطه، ومسارا يؤكد أن الهوية لا ترفع كشعار، بل تعاش كتجربة، وتُشم كعطر مألوف، كلما مررت بأزقة تيزنيت، أو أصغيت لنبض ناسها، أو رأيت فكرة تؤمن بها جماعة، فتنمو وتزهر وتبقى، والقادم أبهى وأحلى بحول الله.

Région
Souss - Massa
Partager sur :