عبد الله سدراتي - مراكش الحمراء
أكتب هذه الكلمات وأنا أستحضر مع كل نهاية كل موسم دراسي وجوهاً لم تبرح ذاكرتي منذ عقود ، وجوه زملاء جمعتنا مقاعد الدراسة في الثانوية التأهيلية ببومالن دادس في أواسط الثمانينيات ، حين كنا صغاراً في السن ، كباراً في الطموح، نتقاسم نفس الأحلام ونشرب من نفس المعين ، لم نكن نملك الكثير، لكننا كنا نملك الأهم ، إرادة لا تُكسر وشغفاً بالمعرفة لا ينطفئ ، اليوم، وبعد كل هذه السنين ، أجد في نفسي واجباً أخلاقياً لا يقبل التأجيل : أن أشهد لهؤلاء الزملاء بما يستحقون، وأن أُسجّل للتاريخ ما قد يطويه النسيان .
لم يكن التعليم في تلك الحقبة ترفاً يُمارَس في بيئات مُهيَّأة ، بل كان معركة يومية صامتة تخاض بالقلم والإرادة في فضاءات لم يرحمها الإهمال ولم تُدللها الدولة ، كانت الفصول تئن تحت وطأة نقص البنية التحتية، والإنارة تخذل أصحابها في أحيان كثيرة، والماء الصالح للشرب كان في خانة الحلم لا الحق .. ومع ذلك ، ومع ذلك بالضبط ، كانت الثانوية التأهيلية ببومالن دادس تُخرج من رحمها أجيالاً صنعت نفسها بنفسها، ونحتت مستقبلها من صخر الجنوب الشرقي الأصيل ..
كان الأساتذة في تلك المرحلة يؤدون رسالتهم بمستوى يفوق ما كانت تستوجبه الظروف، لم يكن عندهم ما يُعينهم من وسائل وموارد، لكنهم كانوا يملكون ما لا تصنعه الميزانيات : الضمير المهني، والانتماء الحقيقي للفعل التربوي، أعطوا بلا حساب في زمن كان الحساب فيه عسيراً، وغرسوا في نفوس طلابهم ما لم تستطع السنون اقتلاعه.
أما الطلاب، فقد كانوا من طينة أخرى .. أدمغة مبرمجة على الكد، لا تعرف طريقاً إلى النجاح غير الاجتهاد، ولا سنداً غير الذات .. كانت إدارتهم لأنفسهم تنطلق من خلفية معرفية ومهارية راسخة، مشفوعة بتقدير عميق للمسؤولية واحترام حقيقي للأستاذ، لم يكن الغش ثقافتهم، ولم يكن الاتكال ديدنهم ، كان النجاح عندهم ثمرة يانعة لا تُجنى إلا بعرق الجبين وسهر الليالي .
ومن بين تلك الوجوه المضيئة التي يأبى الوفاء نسيانها، وتستحق أن تُسجَّل بمداد التكريم لا بحبر النسيان : أستحضر زميلي في الدراسة ورفيق دربي ، محمد الهلالي الذي اختار درب القانون ليكون صوتاً للحق وسنداً للعدل ، محامٍ من طينة نادرة بنى مساره على ما تعلّمه في رحاب تلك المؤسسة من نزاهة وصرامة فكرية .. صديقي الدكتور محمد السالمي ، الذي وجد في التخطيط ميداناً لعقل منهجي تشكّل في مقاعد الدراسة قبل أن تصقله الحياة المهنية .
الدكتور الحسين أقيوح ، الذي حمل لقب الدكتوراه في الجغرافيا القروية وهذا ليس وساماً للتباهي، بل شهادة على مسيرة علمية نبعت من إرادة فتى دادس الأبية .
الدكتور مولاي الحسن العمراني ، الخبير في التأمينات، إسم يحمل في طياته عبق الأصالة وقيمة العلم ، رجل أثبت أن الانتماء للجنوب لا يعني الانتماء للهامش .
أحمد المخزن وزملاؤه في دواليب المالية ، رؤساء أقسام وكفاءات إدارية نبتت من نفس التربة وشربت من نفس المعين .
الحسن ملواني الكاتب والشاعر الملهم الذي ألف وأبدع في التاليف وعبد الرحمن الوردي ، من الشبية والرياضة الى موظف سام خبر دواليب وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ، وجوه حفرت في الذاكرة بصمات لا تمحوها السنون، رجال آثروا البناء على القعود، والفعل على الشكوى ، وغيرهم كثيرون ضاق المقام عن استيعاب أسمائهم ، لكن التاريخ أوسع من أن يبخل عليهم بالاعتراف .
ما الذي صنع هؤلاء؟ لم تصنعهم المختبرات المجهزة ، ولا المكتبات الرقمية ، ولا الدروس الخصوصية المدفوعة .. صنعتهم بومالن دادس بجبالها الشامخة وأوديتها الصامدة ، وصنعهم أساتذة آمنوا بأن التعليم رسالة لا وظيفة، وصنعتهم أسر غرست فيهم أن العلم هو الميراث الأنفس الذي لا تنهبه الأيام .
اليوم، حين أستحضر تلك المرحلة، لا أفعل ذلك بدافع الحنين العاطفي وحده، بل بدافع الواجب الأخلاقي تجاه جيل صنع شيئاً من لا شيء، وحوّل شُح الإمكانات إلى وقود للتميز .. هؤلاء استحقوا التكريم أمس ، ويستحقونه اليوم ، وسيستحقونه غداً .. لأن ما بنوه لم يكن للسيرة الذاتية، بل للوطن ولمن يأتي بعدهم .
فتحية عميقة لجيل بومالن دادس، الجيل الذي علّم الصخرَ معنى الطموح، والجبلَ معنى الصمود -