في الآونة الأخيرة، عادت إلى الواجهة مقاربات إعلامية تربط بين كرة القدم وتغييب الشعوب، انطلاقًا من نماذج تاريخية لأنظمة ديكتاتورية استخدمت الرياضة كوسيلة دعائية لإخفاء القمع وتزييف الوعي الجمعي.
ومع أن هذه الوقائع موثقة تاريخيًا ولا يمكن إنكارها، فإن الإشكال لا يكمن في سردها، بل في طريقة إسقاطها على الحاضر، خارج سياقها، وبمنطق التعميم.
فحين يُقدَّم الفرح الكروي بوصفه مرادفًا لتخدير الشعوب، يصبح القارئ أمام تأويل مفتوح، قابل لأن يُحمَّل أكثر مما يحتمل، خاصة في سياقات وطنية تختلف جذريًا عن تلك النماذج الدموية التي جرى استحضارها.
بين التاريخ والتحليل الانتقائي
التجارب التي استُحضرت — من البرازيل في عهد الحكم العسكري، إلى الأرجنتين خلال سنوات الاختفاء القسري، مرورًا بإيطاليا الفاشية والصين الشمولية — تشترك في عنصر جوهري واحد: غياب التعددية السياسية، وانعدام المحاسبة، وسيطرة السلطة المطلقة.
إسقاط هذه النماذج على دول معاصرة ذات بنى سياسية مختلفة، دون تمييز أو توضيح، يُحوّل التحليل من قراءة تاريخية إلى إيحاء سياسي، يفتقد للدقة المنهجية.
المغرب: خصوصية سياسية لا يمكن القفز عليها
المغرب ليس نظامًا شموليا، ولا دولة قائمة على حكم الحزب الواحد أو السلطة العسكرية.
هو ملكية دستورية ذات امتداد تاريخي، عرفت مسارًا إصلاحيًا متدرجًا، تُوِّج بدستور 2011، الذي وسّع من صلاحيات المؤسسات المنتخبة، وكرّس مبدأ فصل السلط، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
هذا لا يعني غياب الاختلالات أو انتفاء الحاجة إلى النقد، لكنه يؤكد أن توصيف المغرب بمنطق “الديكتاتورية المقنّعة” هو تبسيط مخلّ بالواقع السياسي والمؤسساتي.
كرة القدم في المغرب: تعبير اجتماعي لا أداة حكم
الفرح الذي رافق الإنجازات الكروية المغربية لم يكن نتاج توجيه سياسي، ولا قرارًا فوقيًا، ولا حملة دعائية رسمية لإسكات النقاش العام.
كان تعبيرًا اجتماعيًا تلقائيًا، عكس لحظة وحدة وطنية نادرة، دون أن يُلغِي التعدد في الآراء، أو يُجمِّد النقاش حول القضايا الاجتماعية والاقتصادية.
الربط الآلي بين الفرح الشعبي وتغييب الوعي يُسقط من الحساب قدرة المجتمعات على التعايش بين الاحتفال والمساءلة، وبين الانتماء الوطني والنقد السياسي.
الوعي ليس نقيض الفرح
الوعي الجمعي لا يُقاس بمدى الحزن الدائم، ولا بعدد الساعات التي يُمنع فيها الناس من الفرح.
بل يُقاس بقدرة المجتمع على التعبير، والنقاش، والاحتجاج، والمشاركة السياسية، وهي كلها ممارسات حاضرة في الواقع المغربي، وإن بدرجات متفاوتة.
في الخلاصة
استحضار التاريخ ضروري، لكن الانتقائية في قراءته تُفقده وظيفته التنويرية.
والتحليل الجاد يقتضي التمييز بين:
- أنظمة استخدمت الرياضة لإخفاء السجون،
- ودول تُمارس فيها الشعوب الفرح دون أن تتنازل عن حقها في النقد.
المغرب ليس استثناءً فوق النقد،
لكنه أيضًا ليس نموذجًا جاهزًا للإسقاط الإيديولوجي.
والإعلام المسؤول، كما تؤمن به لا يشتغل بالإيحاء،
بل بالوضوح، والسياق، واحترام ذكاء القارئ.