محمد مريزيقي: مؤرخ وكاتب وصحفي
32 وزيراً، نصفهم قديم، لم يصفّ بعدُ حساباته مع الشعب ومع العدالة على ما قدّم وعلى ما أخّر خلال السنوات الخمس الماضية. والباقي جديد، 11 منهم في مهبّ الريح، أي مهدَّدون بالخروج المبكر من التركيبة الحكومية الحالية. وزد على ذلك برنامجاً حكومياً من 35 صفحة قدّمته الرئيسة، بصعوبة لغوية كبيرة، أمام النواب، ولم تُثِر مقترحاته وخطوطه العريضة الاهتمام المطلوب، ولم تبعث في نفوس المواطنين الأمل المنشود. وبقيت حقوق الإنسان وحرية الصحافة وحقوق مغاربة العالم في طيّ النسيان والإهمال.
والمصيبة أن السيدة الرئيسة المحترمة لم تنجُ في مجلس المستشارين من تهكّم غير لائق، ونقد حاد غير مقبول، وادعاءات غير صحيحة، واتهامات غير لائقة من شخص متحزّب، أكل الدهر عليه وشرب، يجرّ وراءه ماضياً سياسياً ومهنياً مشبوهاً فيه، إلى غير ذلك.
أما الحكومة التي خرجت من كواليس ومطابخ أربعة أحزاب، فهي لا تبشّر بالخير، ولا تبعث تشكيلتها الأمل في نفوس المواطنين. نصفها قديم تمّ تجديده دون رقيب ولا حسيب على ما قدّم وما أخّر أصحابه للبلاد وللعباد خلال خمس سنوات خلت، عرفت احتقاناً اجتماعياً كبيراً، وقدرة شرائية واقتصادية متدنية، وهجرة شباب ساخط على وضعيته، وغضب جيل بأكمله، ووعود انتخابية لم تتحقق. خمس سنوات هيمن عليها التفرقيش بلا حدود، والغنى الفاحش بالجملة، وغياب المحاسبة، وتهميش الصحافة الحرة، والتهكّم على المحاماة، وحتى الأمن الروحي للبلاد لم ينجُ من الطعن في مبادئه.
أما النصف الآخر المكوّن للحكومة الجديدة، فقد خرج من المطبخ نفسه أعوج التكوين مغضوباً عليه. 11 ممن استُوزروا، وقى الله البلاد شرَّهم، تتبعهم شبهات خطيرة قال المجلس الأعلى للحسابات كلمته في حق بعضها، وقالت العدالة ما وجب قوله في موضوع التصرفات المخالفة للقانون وللأخلاق السياسية والمهنية المنسوبة إلى بعضهم.
السؤال الذي يجب الجواب عنه هو: كيف يحدث كل هذا الانحطاط السياسي، والريع البرلماني والحزبي، علانية ودون محاسبة ولا رقابة، في بلد ميّزه الله بجغرافية فريدة من نوعها، ومنحه خيرات وفيرة، وأنعم عليه بشعب كريم وملكية شريفة مواطنة تسهر على استقراره وتنميته؟ بلد يسعى بعزم وثقة كبيرين لرفع التحديات الداخلية والخارجية، ويعمل جاهداً لتحقيق طموحاته التنموية وضمان مستقبله وسيادته الكاملة على كل شبر من أرضه. ففي الوقت الذي يحتاج فيه الوطن إلى حكومة منسجمة، مؤهَّلة تأهيلاً حقيقياً سليماً، لا تشوبها شائبة ولا تمسّها شائعة، لا من يمينها ولا من شمالها، سليمة من رأس هرمها حتى آخر عضو فيها، ها هي الحكومة الجديدة تعطي في أسبوعها الأول أقبح صورة.
ما العمل إذاً؟
الحل هو: «اضرب الحديد وهو سخون»، أي المحاسبة المحاسبة، والصرامة الصرامة، في حق كل من خان الأمانة التي كُلِّف بها، والقسم الذي قدّمه بين يدي ملك البلاد، وكل من تطاول على خيرات البلاد بدون مبرر، وتنكّر لحقوق شعبها، وكل من أفلس وساهم في تبذير المال العام.
لقد أعطى جلالته، أعزّه الله، أحسن مثال حين طبّق الدستور بأمانة، وحين قرر وضع حدّ لمهام وزيرة قالت العدالة كلمتها في حقها. لكن، هل انتهى الكلام بطرد الوزيرة؟ وماذا عن الحزب الذي رشّحها؟ وهل سيكون لعملية تخليق الساحة السياسية والحزبية ما بعدها؟ لنا كل الأمل والثقة في حكمة قرارات ملك البلاد وقائدها الأسمى لفك هذه المعضلة ولتجاوز هذه المرحلة العويصة.