بقلم عبد الله بوصوف
كلما اقترب موعد انتخابي في أوروبا، عاد الإسلام والهجرة إلى واجهة النقاش السياسي، وكأن القارة تعيد اكتشاف وجودهما للمرة الأولى. تتغير الأحزاب وتتبدل الشعارات، لكن الموضوعين يحتفظان بموقع ثابت في الحملات الانتخابية، من فرنسا حيث عاد الحجاب والإسلام إلى النقاش مع اقتراب الانتخابات الرئاسية، إلى ألمانيا حيث جعل حزب بديل من أجل ألمانيا الهجرة محورا أساسيا في خطابه. اختلاف السياقات لا يلغي وحدة الظاهرة.
ليس المقصود هنا التقليل من أهمية هذه القضايا أو إنكار الأسئلة التي تطرحها. فالهجرة قضية مرتبطة بالديموغرافيا وسوق العمل والحدود والأمن والسياسات الاجتماعية، كما أن وجود الإسلام في المجتمعات الأوروبية يطرح مسائل تتصل بحرية المعتقد والعلمانية والتعليم والمجال العام.
فالواقع الاجتماعي تجاوز منذ زمن الصورة التي ما زالت بعض الخطابات السياسية تستحضرها. المسلمون لم يعودوا جماعة وافدة تنتظر الاندماج في مجتمع أوروبي مغلق، بل أصبحوا جزءا من البنية الاجتماعية لهذه المجتمعات.
والتحول نفسه ينطبق على الهجرة. فقد تغيرت طبيعتها كثيرا عن الصورة التي ارتبطت بالهجرة العمالية في النصف الثاني من القرن العشرين. هناك اليوم طلاب وباحثون وأطباء ومهندسون ومقاولون وعمال موسميون وكفاءات رقمية.
المفارقة أن هذا الواقع الاجتماعي والاقتصادي الجديد يتزامن مع تحول أكبر بكثير يطرق أبواب أوروبا، وهو التحول الذي يحدث في معنى العمل نفسه. فالذكاء الاصطناعي لا يغير بعض المهن فحسب، وإنما يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والعمل والإنتاج.
وهنا تظهر فجوة بين طبيعة التحول الاقتصادي وبين طبيعة النقاش الانتخابي. فالمسألة الأساسية لم تعد فقط كيف تدير أوروبا تدفقات الهجرة، وإنما كيف ستدير اقتصادا تتغير فيه قيمة العمل نفسه.
ربما يكمن جزء من تفسير هذه المفارقة في أن قضايا الهوية أكثر قابلية للاختزال في شعار انتخابي من القضايا الاقتصادية والاجتماعية المعقدة.
وهذا يضع النخب السياسية الأوروبية أمام اختبار حقيقي. فالقضية ليست في أن تتوقف عن مناقشة الإسلام والهجرة، وإنما في أن تتوقف عن استخدامهما باعتبارهما مدخلا شبه دائم لتفسير أزمات أكثر تعقيدا.
لذلك، فإن النقاش الأوروبي يحتاج إلى الانتقال من سؤال الوجود إلى سؤال المشاركة. لم يعد السؤال الأساسي هو: هل يوجد المسلمون في أوروبا؟ وإنما: كيف يشاركون في بناء أوروبا التي تتشكل أمام أعين الجميع؟
من هنا، فإن السؤال عن موعد خروج الإسلام والهجرة من "اللعبة السياسية" لا يعني اختفاءهما من السياسة، وإنما يعني انتقالهما من خانة الاستثناء إلى خانة السياسة العمومية العادية.
ولعل نضج السياسة الأوروبية سيقاس في النهاية بقدرتها على النظر إلى مجتمعاتها كما أصبحت بالفعل، لا كما كانت قبل عقود. عندها لن يختفي الإسلام من النقاش الأوروبي، ولن تختفي الهجرة من أجندته، لكنهما سيفقدان وظيفتهما كموضوعين انتخابيين قادرين على ابتلاع بقية الأسئلة.