FR AR
شارك على :

بين الحمار والأسد… حكاية مجتمع

 

بين الحمار والأسد… حكاية مجتمع
                        من وعي الوطن

في بعض اللحظات، حين أراقب الناس في أماكن العمل، في الإدارات، في المقاهي، أو حتى في مؤسسات الدولة، يخطر لي أننا نعيش جميعًا على متن سفينةٍ واحدة. ليست سفينةً من خشبٍ ومسامير، بل سفينةً من المصالح والطباع والتناقضات. سفينة تشبه، في رمزيتها، تلك التي صنعها النبي نوح.
في تلك السفينة القديمة، لم يكن الركاب متشابهين. كان فيها الحمار كما كان الأسد، وكان فيها الطائر كما كان الزاحف. اختلافٌ في القوة، وفي الغريزة، وفي الطباع. ومع ذلك، لم يكن لأحدٍ خيار آخر: إما التعايش فوق سطح السفينة… أو الغرق خارجها.
تلك الصورة ليست مجرد قصة من زمنٍ بعيد؛ إنها مرآة للمجتمع الإنساني في كل زمان. ففي مجتمعاتنا اليوم، تجد من يسير بصبر الحمار، يحمل الأعباء بصمت، ويواصل العمل رغم ثقل الطريق. وتجد من يتصرف بعقلية الأسد، يعتقد أن القوة وحدها تمنحه حق القيادة، وربما حق الافتراس أيضًا. وبين هؤلاء وأولئك، يعيش كثيرون: من يراقب، من يناور، ومن يحاول فقط أن يحافظ على توازن السفينة.
لكن المفارقة أن أخطر ما يهدد السفينة ليس وجود الأسد ولا وجود الحمار، بل حين ينسى الركاب أنهم جميعًا فوق المركب نفسه. حين يتوهم بعضهم أن الغرق سيصيب الآخرين فقط.
في السياسة كما في المجتمع، تتكرر هذه المعضلة. هناك من يرى السلطة غابةً، لا سفينة؛ فيتصرف بمنطق المفترس لا بمنطق الربّان. وهناك من يرضى بدور الدابة التي تحمل الأحمال ولا تسأل إلى أين تمضي. وبين هذا وذاك تضيع الحكمة التي تقول إن السفينة لا تنجو إلا بتوازن من فيها.
ليست المشكلة في اختلاف الطباع، فالتنوع سنة من سنن الحياة. المشكلة حين يتحول الاختلاف إلى صراعٍ على ثقب السفينة نفسها. حين يظن بعض الركاب أن بإمكانهم حفر ثقبٍ تحت مقاعدهم دون أن يصل الماء إلى الآخرين.
لقد علمتنا قصة نوح درسًا أبعد من النجاة من الطوفان. علمتنا أن البقاء ليس للأقوى وحده، ولا للأكثر صبرًا وحده، بل لمن يفهم أن المصير مشترك. وأن السفينة، مهما اتسعت، تظل قطعةً واحدة من الخشب في بحرٍ واسع.
ولهذا ربما علينا أن نسأل أنفسنا بصراحة:
هل نعيش في مجتمع يدرك أنه سفينة واحدة؟
أم أننا ما زلنا نتعامل معه كغابةٍ مؤقتة… ينتظر كل فيها لحظة الانقضاض؟
ذلك هو السؤال الذي يحدد، في النهاية، إن كنا سنصل إلى اليابسة… أم سنبقى نختلف حتى يغمرنا الماء.
                   
                         رجاء التوبي        
                         عاشقة للوطن 
                        من وعي الوطن

Partager sur :