FR AR
شارك على :

خمسة وعشرون عاماً من الحوار والشراكة المغربية الفاتيكانية : تكافلات في مواجهة التحديات الجيوسياسية

 

الأستاذة عائشة بوعزة

« Défis géopolitiques actuels et rôle du dialogue interreligieux : exemple des diplomaties marocaine et vaticane, interactions et perspectives »

روما، 25 مارس 2026 · الجامعة البابوية الغريغورية

في قاعة مانيا بالجامعة البابوية الغريغورية بروما، وعلى مرمى حجر من قلب الفاتيكان وهدير المسيحية، التقت في الخامس والعشرين من مارس 2026 نخبة من أرفع الشخصيات الدينية والدبلوماسية والأكاديمية في العالم، احتفاءً بمناسبة بالغة الرمزية والأثر: مرور نصف قرن على إرساء العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين المملكة المغربية والفاتيكان. لم يكن هذا الاحتفال مجرد ذكرى بروتوكولية عابرة، بل كان مناسبة لإعادة الاعتبار لنموذج فريد من التعاون الإنساني والديني بين حضارتين، في وقت تشهد فيه العلاقات الدولية توترات غير مسبوقة، ويتعاظم دور المؤتمر الدولي الذي اهتم به الفاتيكان، بالتعاون مع الجامعة البابوية الغريغورية وسفارة المملكة المغربية لدى الكرسي الرسولي، تمحور حول موضوع محوري وراهن: "التحديات الجيوسياسية الراهنة ودور الحوار بين الأديان: مثال الدبلوماسيتين المغربية والفاتيكانية، التفاعلات والآفاق." وقد شكّل هذا اللقاء الاستثنائي فرصة ذهبية لاستحضار نصف قرن من الشراكة الراقية، واستشراف آفاق أرحب في خدمة الإنسانية جمعاء.

نصف قرن من الشراكة الروحية والدبلوماسية

تنبثق العلاقات المغربية-الفاتيكانية من أعماق التاريخ وتشابك الحضارات. فالمملكة المغربية، بوصفها أرضاً جمعت على مدى ثلاثة عشر قرناً أديانًا وثقافات تحت سماء واحدة، لم تجد في الحوار مع روما مجرد واجب دبلوماسي، بل رأت فيه تعبيراً أصيلاً عن هويتها الحضارية العميقة.

منذ إرساء العلاقات الدبلوماسية الرسمية عام 1976، ظلّ الحوار بين الرباط والفاتيكان يرتكز على قيم مشتركة: الكرامة الإنسانية، ونبذ التطرف، وصون التعددية الدينية. وقد توّجت هذه الشراكة بالزيارة التاريخية للبابا فرنسيس وجلالة الملك محمد السادس إلى المغرب في مارس 2019، حين وقّعا على "نداء القدس" المشترك، الذي أكّدا فيه على أن مدينة القدس يجب أن تُصان ملاذاً للقاء لا ساحةً للعراع والتنافس. تتحدث العلاقات الإبراهيمية الثلاثية إذن بلغة روحية ودبلوماسية تنبثق من التعاون في مجال تكوين الأئمة ومكافحة التطرف، إلى الشراكة في القضايا الإنسانية الكبرى كالهجرة والسلام في الشرق الأوسط وحوار الحضارات المشترك في كل أرجاء العالم. وهذه التجربة النادرة، التي يُرسي حضورها حماية التراث الديني على جدران التعصب، هي بالضبط ما تحتاج إليه إنسانيتنا في هذا المنعطف الحرج من تاريخها.
 

 

المتحدثون البارزون: نخبة من صانعي السلام

أضفى على هذا الملتقى حضور استثنائي لشخصيات من أعلى المستويات، يجمعها التزام راسخ بقيم الحوار والتعاون الدولي، يُفصح عن حجم الاهتمام الذي تحظى به هذه الذكرى الذهبية في أسمى المحافل الدينية والدبلوماسية والأكاديمية.

الكاردينال بيترو بارولين، أمين سر الكرسي الرسولي

يُعدّ الكاردينال بيترو بارولين، المولود في 17 يناير 1955 بمدينة سكيافيكو الإيطالية، أحد أبرز الدبلوماسيين الكاثوليك في عصرنا. أمضى مسيرة دبلوماسية استثنائية خدم خلالها في كلٍّ من نيجيريا والمكسيك وفنزويلا، قبل أن يعيّنه البابا فرنسيس أميناً للدولة عام 2013، ليصبح بذلك أصغر من يتولى هذا المنصب الرفيع منذ عام 1930. يُجسّد حضوره في هذا اللقاء الرفيع تجديداً واضحاً لالتزام الفاتيكان بالحوار مع العالم الإسلامي، فضلاً عن تقديره الخاص للنموذج المغربي في التعايش الديني. وتمتد خبرته الدبلوماسية الواسعة لتشمل ملفات الشرق الأوسط والمفاوضات النووية الإيرانية وإعادة تطبيع العلاقات مع الصين وكوبا، مما يجعله شاهداً حياً على دور الكنيسة الكاثوليكية كقوة وساطة للسلام على الصعيد العالمي.

السيد أندريه أزولاي، المستشار الملكي

نموذج فريد في تاريخ الدبلوماسية المغربية والعالمية. وُلد في 17 أبريل 1941 بمدينة الصويرة/موغادور في أسرة يهودية أمازيغية عريقة. تلقّى تكوينه الصحفي في باريس، وأمضى مسيرة مهنية مضيئة في مجموعة باريبا المالية قبل أن يُستدعى عام 1991 لخدمة الملك الراحل الحسن الثاني ثم جلالة الملك محمد السادس. يحمل السيد أزولاي في شخصه رسالة المملكة المغربية الحضارية: فهو يهودي مغربي يعمل مستشاراً لأمير المؤمنين، وهذا بحد ذاته تجسيد حي لروح التعايش التي تميز المملكة. وإلى جانب دوره السياسي، يرأس مؤسسة الصويرة - موغادور ويرأس منظمة "الهوية والحوار" منذ عام 1974، كما يشغل رئاسة مؤسسة "مثلث الحكماء" لتحالف الحضارات بالأمم المتحدة، والحوار الأورو-متوسطي بين الثقافات آنا ليند، مؤكداً أن النهج الإنساني هو ورثة. وقد نالت ابنته أودري أزولاي ثقة البشرية لقيادة اليونسكو من 2017 حتى اليوم، مؤكدةً أن هذه الأسرة وُرثت وتوارثت.

 

سعادة السفيرة السيدة رجاء ناجي

قانونية وأكاديمية ودبلوماسية استثنائية، تحمل في مسيرتها ما يكفي من التاريخ وصنع الفارق. وُلدت في 15 ديسمبر 1958 بمدينة وزان المغربية، وشقّت طريقها بالعلم والإرادة لتحصل على الدكتوراه في القانون المدني والتجاري من جامعة محمد الخامس بالرباط، حيث أمضت سنوات طويلة أستاذةً وباحثة. تحمل لقب "الأول" في كثير من المحطات: فهي أول امرأة تُلقي درساً يُحضره جلالة الملك محمد السادس عام 2003، وأول امرأة عربية مسلمة تُعيَّن سفيرةً لدى الفاتيكان. وقد توّج البابا فرنسيس مسيرتها الدبلوماسية بمنحها وسام الصليب الأكبر من الرتبة العليا لنظام بيوس التاسع، وهو أرفع تكريم بابوي يُرسَل لامرأة فقيهة في الشريعة والقانون لتتحدث باسمه في عقر دار الفاتيكان في مهمتها صورة مغرب الإسلام المتنور: بلد يرسم رسالة واضحة إلى الفاتيكان.

البروفيسور عبد الله أوتيزان

يُشكّل وجوده في هذا المؤتمر ترجمة عملية حية للتعددية الهوياتية المغربية. عبد الله أوتيزان، أستاذ بارز في القانون العبري المقارن، وهو مؤسس مركز بيت الذاكرة للبحث في القانون العبري، الذي يُعدّ رائداً في مجاله على المستوى العربي. تنصبّ جهوده الأكاديمية والبحثية على تعميق الحوار بين الشريعة الإسلامية والشريعة اليهودية، تحقيقاً لجسر حضاري لا بديل عنه مقارناً، مؤمناً بأن الفقه المقارن للمنظومات القانونية الإبراهيمية الثلاثة وسائر الأنظمة القانونية يمكّن من التفاهم بين الأمم. ويرى في الإرث القانوني المغربي، الذي يمزج بين الموروث الأمازيغي والتقاليد الإسلامية والعبرية والأندلسية، نموذجاً إنسانياً ينبغي للعالم أن يتعلم منه.

البروفيسور أمبروجيو جيوفانيفاني

في قلب المؤسسة الأكاديمية الكاثوليكية الأعرق، يضطلع البروفيسور جيوفانيفاني بمهمة أكاديمية من أسمى المهام: تشييد جسور المعرفة المتبادلة بين الأديان الكبرى. فهو يقود مركز الدراسات الدينية المقارنة في الجامعة البابوية الغريغورية بروما، التي أسسها اليسوعيون عام 1551 وتحتضن اليوم أكثر من ثلاثة آلاف طالب من خمسة وعشرين دولة. تركّزت أبحاثه على الديناميكيات العلائقية بين المسيحية والإسلام واليهودية، مع اهتمام خاص بالحوار الكاثوليكي-الإسلامي في سياق البحر الأبيض المتوسط. ويرى جيوفانيفاني في الدبلوماسية الدينية ليس مجرد أداة سياسية، بل فريضة أخلاقية تحتاجها البشرية في مواجهة موجات الأصولية والانغلاق.

البروفيسور ألفريدو لوسياني

Fondateur et Président de l'Association Carità Politica

يُمثّل البروفيسور ألفريدو لوسياني الصوت الذي يسعى إلى جعل السياسة رحيمةً ودبلوماسيةً إنسانية. فهو مؤسس جمعية "كاريتا بوليتيكا" (المحبة السياسية)، وهي منظمة فكرية وعملية تسعى إلى إعادة بعث الروح الأخلاقية في الفعل السياسي، انطلاقاً من الموروث الفلسفي المسيحي وقيم الإنسانية الكونية. يُسخّر لوسياني في أعماله الفكرية والدبلوماسية حقيقة أن التعاون بين الأديان ليس رفاهية ثقافية، بل ضرورة وجودية للمجتمعات التي تريد النجاة من أزماتها. وتمتد شبكة علاقاته الدولية لتشمل مراكز دينية وأكاديمية وسياسية في أوروبا وحوض البحر الأبيض المتوسط والعالم العربي.

الرسالة الكبرى: الحوار في مواجهة الفتنة

لا يمكن فهم هذا اللقاء بمعزل عن سياقه الدولي المضطرب. فالعالم يعيش اليوم جملة من التوترات المتشابكة: حروب تستنزف الأرواح والأرض، وأزمات إنسانية تدفع الملايين إلى الهجرة قسراً، وتصاعد مقلق للخطاب الطائفي والتعصب الديني، وإشكاليات حادة حول مستقبل مدينة القدس الشريفة. في هذا المخضم، يأتي الملتقى المغربي-الفاتيكاني ليُقدّم نموذجاً مغايراً للعلاقات بين دول ذات مرجعيات دينية مختلفة: فهذا البلد الذي احتضن اليهود الفارّين من محاكم التفتيش الإسبانية في القرن الخامس عشر، والذي يحمي دستوره اليوم التعددية الدينية في صلب هويته الوطنية، يُثبت أن التعايش ليس أطروحة فلسفية بل ممارسة يومية متجددة. وقد شهد العالم كيف رفض الملك محمد الخامس رحمه الله تطبيق قوانين فيشي العنصرية معلناً: "لا يوجد في المغرب يهود ومسلمون، بل رعايا مغاربة فحسب." هذا الإرث تحمله المملكة المغربية اليوم بفخر واعتزاز أمام المنابر الدولية.

وفي السياق ذاته، واصلت دبلوماسية الكرسي الرسولي بذل جهود جبّارة للسلام والمصالحة في النزاعات المنتشرة في أربع جهات العالم. فإن اجتمع هذان الصوتان المغربي والفاتيكاني على طاولة واحدة، فإنهما يوجّهان رسالة واضحة إلى العالم: الحوار ممكن، والتعاون بين الحضارات ليس حُلماً ساذجاً بل خيار استراتيجي مجرَّب.

آفاق المستقبل: نحو دبلوماسية إنسانية مشتركة

يطرح الاحتفال بهذه الذكرى الذهبية أسئلة جوهرية على صانعي القرار والمفكرين: كيف يمكن للدبلوماسية الدينية أن تُسهم في معالجة التحديات الجيوسياسية الراهنة؟ وما الدور الذي يمكن للنموذجين المغربي والفاتيكاني أن يضطلعا به في صون السلام الإقليمي والعالمي؟ وكيف نُعزّز الشراكة بين الأديان دون الوقوع في فخ توظيفها لغايات سياسية ضيّقة؟

الإجابة التي عكستها روح اللقاء تنطوي على ثلاثة محاور: أولاً، تعميق التعاون المؤسسي بين الجامعات والمراكز البحثية للأديان الإبراهيمية الثلاثة. وثانياً، توظيف الدبلوماسية الدينية كذراع تكميلية للدبلوماسية الرسمية في مناطق النزاع. وثالثاً، تقديم النماذج الناجحة كتجربة المملكة المغربية وتجربة الفاتيكان إلى الرأي العام العالمي للإلهام والتقليد.

تتشرّف الجامعة البابوية الغريغورية باحتضان هذا النقاش الرفيع. فهي المؤسسة التي أسّسها اليسوعيون عام 1551، وخرّجت من بين جدرانها 22 قديساً و70 كاردينالاً وعشرات الأساقفة والدبلوماسيين، تجمع هذه المرة طيفاً من ممثلي الحضارات لتؤكد أن الحوار ليس وهماً مثالياً، بل هو الخيار الوحيد لبناء غدٍ إنساني مشترك.

حين يكون الدبلوماسي إنساناً تخرّج منذ قرون في روما، قلب إمبراطورية قامت على الحديد ثم انتهت بالإيمان، وفي باحة جامعة تحتضن الحضارة الإنسانية، ومن حضور نخبة من خيرة المسلمين واليهود والمسيحيين في مجلس واحد يجمعهم رغبة صادقة في الفهم والتعاون، فثمة رسالة بليغة تبعثها هذه الاحتفالية إلى العالم.

هذه الوثيقة تمثل تقريراً عن الندوة الدولية المنعقدة في الجامعة البابوية الغريغورية بروما بتاريخ 25 مارس 2026

Partager sur :