تتجه الأنظار إلى المحكمة الابتدائية بكلميم بعد صدور أمر بالإحالة في ملف عقاري أثار نقاشاً واسعاً بمنطقة تغجيجت، ويتعلق بقطعة أرضية فلاحية بمنطقة «أمستان» تحولت من مجرد نزاع حول الملكية والاستغلال إلى قضية جنائية تتداخل فيها معطيات التدبير الجماعي والوثائق الإدارية وسجلات الممتلكات العمومية.
ووفق ما تضمنه أمر الإحالة الصادر عن قاضي التحقيق بالمحكمة الابتدائية بكلميم، فقد تمت متابعة رئيس الجماعة السابق لتغجيجت إلى جانب شخص ثانٍ يشتغل بالتجارة، على خلفية وقائع مرتبطة بعقار موضوع نزاع بين أطراف متعددة، وذلك بعد استكمال مراحل البحث والتحقيق.
بداية القضية
تعود فصول الملف إلى شكاية تقدم بها أحد المواطنين نيابة عن شقيقه المقيم بالخارج، أفاد فيها أن هذا الأخير اقتنى سنة 2015 قطعة أرضية فلاحية بمنطقة أمستان التابعة لجماعة تغجيجت، وحصل بشأنها على تراخيص مرتبطة بحفر بئر وإنجاز مشروع فلاحي.
غير أن صاحب المشروع، بحسب الشكاية، فوجئ برفض تسليمه شهادة إدارية بدعوى أن العقار مسجل ضمن ممتلكات الجماعة الترابية تحت رقم معين في سجل الأملاك الجماعية، باعتباره أرضاً مخصصة لمرفق عمومي مرتبط بإرواء الماشية وتزويد الساكنة بالماء.
هذا المعطى فتح الباب أمام سلسلة من الإجراءات القضائية والإدارية، خاصة بعد الاطلاع على سجل ممتلكات الجماعة والوثائق المرتبطة بتسجيل العقار ضمن الأملاك الجماعية.
روايتان متقابلتان
من خلال محاضر البحث، يظهر وجود روايتين متباينتين حول طبيعة العقار ومشروعية تسجيله.
فالمشتكي يعتبر أن إدراج العقار ضمن سجل ممتلكات الجماعة تم بطريقة غير قانونية، وأن عملية التقييد لم تستند إلى مقرر جماعي واضح أو وثائق تثبت ملكية الجماعة للعقار، مؤكداً أن ذلك تسبب في حرمانه من استغلال أرضه وإنجاز مشروعه الفلاحي وما ترتب عن ذلك من خسائر.
في المقابل، يؤكد رئيس الجماعة، وفق تصريحاته الواردة في الملف، أن العقار أُدرج ضمن ممتلكات الجماعة في إطار عملية جرد الأملاك الجماعية، استناداً إلى وثائق ومحاضر مرتبطة بمشروع حفر وتجهيز بئر عمومية تم إنجازها لفائدة الساكنة والرحل بالمنطقة خلال سنوات سابقة، نافياً ارتكاب أي فعل يندرج ضمن التزوير أو التدليس.
شهادات مسؤولين وموظفين
التحقيق شمل الاستماع إلى عدد من المسؤولين والموظفين الحاليين والسابقين بالجماعة.
فقد أوضح موظفون مكلفون بالممتلكات والتقنيات أن العقار تم تسجيله سنة 2015 ضمن سجل الممتلكات الجماعية في سياق عملية إحصاء وجرد للأملاك التابعة للجماعة، وأن وجود بئر عمومية ومشاريع مرتبطة بالمصلحة العامة كان من بين العناصر التي اعتمدت لتبرير هذا التسجيل.
كما أكد رئيس سابق للجماعة أن مشروع البئر أنجز خلال فترة تسييره للمجلس بهدف مواجهة آثار الجفاف وتوفير الماء للساكنة والماشية، موضحاً في الوقت نفسه أن العقار لم يكن مسجلاً آنذاك ضمن ممتلكات الجماعة خلال فترة رئاسته.
أبعاد قانونية معقدة
تكمن أهمية هذا الملف في كونه يتجاوز مجرد خلاف حول عقار معين، ليطرح أسئلة أوسع تتعلق بكيفية تدبير الممتلكات الجماعية، وشروط إدراج العقارات ضمن السجلات الرسمية، ومدى كفاية الوثائق الإدارية لإثبات الملكية العمومية أو الجماعية.
ويرى متابعون للشأن المحلي أن القضية قد تشكل سابقة مهمة في تدبير النزاعات العقارية المرتبطة بالأملاك الجماعية، خاصة في المناطق القروية التي تعرف تداخلاً بين الملكيات الخاصة والاستعمالات الجماعية للأراضي.
القضاء يحسم
بعد انتهاء التحقيق الإعدادي، قرر قاضي التحقيق إحالة الملف على الجهة القضائية المختصة للنظر في الوقائع المنسوبة إلى المتابعين وتقييم مختلف الحجج والوثائق المقدمة من الأطراف.
ويبقى الحسم النهائي في هذا الملف بيد القضاء الذي سيبت في مدى ثبوت الأفعال المنسوبة إلى المتابعين من عدمها، في إطار احترام قرينة البراءة التي تظل مكفولة قانوناً إلى حين صدور حكم قضائي نهائي.
وفي انتظار ذلك، يواصل ملف «عقار أمستان» استقطاب اهتمام الرأي العام المحلي بتغجيجت وكلميم، بالنظر إلى ما يطرحه من أسئلة حول تدبير العقار العمومي، وحماية الحقوق الفردية، وحدود المسؤولية الإدارية في تسجيل الممتلكات الجماعية.