يوم سبتة ، اليوم العسير ، حتى لا أقول يوم الحشر ، إذ حشرت فيه أعداد مهولة وكثيرة من الشباب المغربي في أرض مغربية محتلة،
وحتى لا نتيه في دروب الإعتبارات والحسابات الجيوسياسية والإستراتيجية المعقدة، وجب التركيز على الإنسان المغربي لمعرفة ما يدفعه لإختيار أخطر الطرق وأصعب السبل للهروب من أرض أباءه وأجداده، من حيه ومن مدينته التي له فيها ذكرايات صباه وشبابه، وأهله وأصدقاءه.
يقال " الشباب كنز المغرب "
الثمين الذي يضمن مستقبله" ،
هذا صحيح ، وهذا ما جاء في أكثر الخطابات السياسية المعسلة الظرفية وهذا فعلا ما تعتبره وتقدره وتعمل من أجل الحفاظ عليه وتنميته الدول المتقدمة التي جعلت الإنسان والمواطن ، والشاب، في صميم سياساتها الإجتماعية والثقافية والاقتصادية لخدمة مصلحة ومستقبل الوطن..
فكيف لنا ، يا أهل بلدي يا من كلفوا بحماية سمعته ومصالحه العليا ، أن نفرط فيما نعتبره كنزا ونريده ضمانا لمستقبل الوطن وحام لوحدته واستقراره ؟
كيف ، بالله عليكم، أن تزرع بسياسات عوجاء عجاف ، وسلوكات حزبية ومصلحية مختلّة، الحقد والعزوف عن السياسة والمواطنة في فكر وقلب أبناء شعبنا لهذه الدرجة حتى أصبح أكثرهم يريد الفرار ومغادرة أرض وطنهم مهما كلفه ذلك من جهد وتضحية ، ولو الموت ؟
كيف لنا أن نمحو من ذاكرة الوطن وتاريخ هذه المرحلة تلك الصور المروعة المؤسفة التي أصبحت تتداولها أهم صحف ومواقع العالم، وأصبح أعداء الوطن يستعملونها لطعن فيه وفي قياداته وسياساته ،
هل هذا من باب الغباء السياسي والإنحطاط الخلقي الذي أبانت عنه جليا أحداث سبتة وغيرها من الفضائح السياسية والمالية والاقتصادية ؟
أين البلاد اليوم من ثقافة الزبونية، وعدم تكافؤ الفرص، وتداخل المصالح والاستحواد العائلي والحزبي على مراكز القرار السياسي والاقتصادي وحتى البرلماني الشيء الذي جعل هذا الوطن، تعليمه وخيراته وفرص شغله، "إرثا" متداولا وممنوحا مسبقا لأفراد ولأبناء طبقة معينة واحدة متحكمة حاكمة كما هو الحال فيما يخص بعض الأحزاب وكذا قبة البرلمان ؟
مثال واحد فقط يعطينا حقيقة الأمر وما وصلت إليه الأوضاع : حين نتفحص بإمعان لائحة أسماء أعضاء البرلمان المنتهية ولايتهم قريبا ، بإذن الله وإرادة الشعب المتشبت بالعرش وبمقدسات الوطن، سنرى العجاب: عائلات معينة تتحكم في أكثر من نصف أعضاء البرلمان، عائلات مكونة من الأب وابنته، وزوج إبنته وأخاء وزوجة أخاه والمقربين منه ، إستولت على أكثر المقاعد البرلمانية، هل هذا أمر عاد يشرف السياسة والدمقرطة وتكافؤ الفرص ؟
هل هذا التحكم يبعت في قلب الشباب الأمل والثقة في المستقبل ؟
لا، والله، الشباب لم ينال حقه المشروع كاملا لا في التعليم ولا في الشغل ولا في السياسة ولا حتى الصحة .
لقد حان الوقت الآن، لتفكير السليم والنافع والعاجل في وضعية شباب بلادنا وإتخاد ما يجب إتخاده بعزم وحزم وأمانة من سياسات حكيمة ومبادرات قوية لكي تعود الثقة ويبعت الأمل من جديد في نفوس شبابنا .
وعل الجميع ، حاكما ومحكوما، أحزابا ونقابات وصحف أن يتخد العبرة مما أبانت عنه أحذاث سبتة من هفوات في المنظومة السياسية والاجتماعية والاقتصادية ومن خسائر كبيرة في الأرواح ، وهذا أضعف الإمان.
رحم الله من مات من شبان وشابات وطننا في أحدات سبتة ، وتعازينا الحارة لأهلهم ولكل من يكن لهذا الوطن الغالي ولشعبه محبة صادقة ولهذه المملكة الشريفة العلوية ، حامية وراعية الوطن ، الولاء والتقدير والإخلاص الكامل …
مريزيقى م : مؤرخ، كاتب، وباحت في العلوم الإنسانيّة. (5 août 2026,باريس)