FR AR
Partager sur :

نبض الجاليه : بواخر العبور... هل المشكلة في الشركات الناقلة فقط؟

مراسلة البكراوي المصطفى البزيوي / إيطاليا
كل صيف يتجدد نفس النقاش بين أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج: أسعار التذاكر مرتفعة، الخدمات لا ترقى إلى مستوى التطلعات، والرحلات الطويلة تتحول أحياناً إلى تجربة مرهقة بدل أن تكون بداية ممتعة لعطلة طال انتظارها..... الخ 
غير أن رحلة بحرية حديثة على متن إحدى بواخر الخط الرابط بين جنوة وطنجة المتوسط دفعتني إلى طرح سؤال آخر قد لا يعجب الكثيرين: هل تتحمل الشركات البحرية وحدها مسؤولية ما نعيشه من مشاكل، أم أن جزءاً من المسؤولية يقع علينا نحن أيضاً؟
فمنذ الساعات الأولى للرحلة، بدأت تتكشف مشاهد يصعب تجاهلها. ففي قاعات الجلوس، تحولت بعض الطاولات المخصصة للأكل إلى أماكن لوضع الأحذية، بينما استُعملت الكراسي بشكل يناقض الغرض الذي خصصت من أجله. يقول أحد المسافرين : "كنا نبحث عن مكان نجلس فيه براحة، لكن بعض التصرفات جعلت الفضاء المشترك يبدو وكأنه لا يخضع لأي قواعد من قواعد الفضاء العام "
وعند انطلاق إجراءات ختم الجوازات وتسجيل وثائق السيارات، برزت مشكلة أخرى أكثر عمقاً. فبدل الاصطفاف المنظم واحترام الأدوار، شهدت الطوابير حالة من التدافع ومحاولات تجاوز الآخرين. ويعلق أحد المرتفقين قائلاً: "لو احترم كل واحد دوره لما استغرقت العملية كل هذا الوقت، لكن البعض يريد دائماً أن يكون الأول ولو على حساب الآخرين."
أما ممرات الباخرة، فقد تحولت في بعض الفترات إلى فضاءات للنوم والاستراحة، مما صعّب حركة المسافرين وأثر على راحتهم. و هنا يقول أحد الركاب: "يكون من الصعب أحياناً المرور عبر بعض الممرات بسبب الأمتعة والأشخاص الذين افترشوا الأرض."
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ سُجلت حالات لإعداد الطعام في الممرات أو داخل بعض الغرف، وهو سلوك دفع إدارة الباخرة إلى التدخل والتنبيه إلى خطورته على سلامة الجميع. ويؤكد أحد المسافرين أن "قوانين السلامة البحرية لم تشرع هكذا عبتا ، بل لحماية أرواح الركاب."
كما اشتكى العديد من المرتفقين من الضجيج المتواصل الناتج عن ترك الأطفال يركضون ويصرخون في الممرات لساعات طويلة دون مراقبة كافية، الأمر الذي حرم كثيرين من الراحة خلال رحلة تمتد لأكثر من يومين.
إن الغاية من نقل هذه المشاهد ليست جلد الذات ولا التعميم على جميع المسافرين، فالغالبية العظمى من أبناء الجالية مشهود لهم بالاحترام والانضباط. لكن من الضروري الاعتراف بأن بعض السلوكيات الفردية تسيء إلى صورة الجميع.
والحقيقة التي ينبغي أن نتأملها بصدق هي أن الشركات البحرية، مهما كانت درجة جشعها أو سعيها وراء الربح، تنظر أيضاً إلى واقع حال الزبائن الذين تتعامل معهم. وعندما نقدم صورة عنوانها الفوضى وعدم احترام النظام والفضاءات المشتركة، فإننا نضعف قدرتنا الأخلاقية على المطالبة بخدمات أفضل وأسعار أكثر إنصافاً.
فاحترام الطوابير، والمحافظة على النظافة، والالتزام بقواعد السلامة، والعناية بالأطفال، ليست مجرد تفاصيل بسيطة، بل هي مؤشرات على مستوى الوعي الجماعي. وكلما أثبتنا أننا مسافرون منظمون ونحترم القانون والفضاء المشترك، أصبحت مطالبنا أكثر قوة ومشروعية أمام الشركات والسلطات على حد سواء.
إن معركة تحسين ظروف العبور لا تبدأ فقط بمطالبة الشركات بخفض الأسعار وتحسين الخدمات، بل تبدأ أيضاً من سلوكنا نحن. فالمسافر الذي يطالب بالاحترام عليه أن يكون أول من يمارسه، والمجتمع الذي يريد معاملة تليق به عليه أن يقدم بدوره صورة تليق به.
فما دام بعضنا يصر على تحويل فضاءات السفر إلى مشاهد من الفوضى والعشوائية، فسنظل نشتكي كل صيف من الشركات البحرية، بينما نتجاهل المرآة التي تعكس جزءاً من الحقيقة.

Partager sur :