هشام التواتي
تُنسب إلى إليانور روزفلت مقولة شهيرة مفادها أن «العقول العظيمة تناقش الأفكار، والعقول المتوسطة تناقش الأحداث، أما العقول الصغيرة فتناقش الناس». وانطلاقًا من هذا المبدأ، لا يهدف هذا النص إلى محاكمة الأشخاص أو الانخراط في جدل يتعلق بالأسماء والنوايا، بل إلى التوقف عند الفكرة ذاتها، ومناقشة الرمز بالرمز، والحكاية بالحكاية، ضمن إطار يتسع للاختلاف ويستوعب تعدد التأويلات والقراءات.
ولا يمكن إنكار ما تتسم به قصة “جبروت” من براعة سردية وثراء رمزي؛ فقد نجح كاتبها في بناء استعارة مكثفة وغنية بالصور والدلالات، جعلت من الحافلة والبارشوك والطريق والهاوية فضاءً رمزياً مفتوحاً على أكثر من تأويل. غير أن قوة الأسلوب لا تعني بالضرورة حسم القراءة أو احتكار الحقيقة، إذ يظل ذلك النص معبّراً عن وجهة نظر صاحبه، وإحدى المقاربات الممكنة لفهم المشهد.
وفي المقابل، تتبنى شريحة واسعة من المواطنين قراءة مغايرة ترى أن المسؤولية لا ينبغي أن تُحمَّل بالكامل للمقود، وأن “البارشوك” الذي اختار الواجهة، وطلب الثقة، وتصدر المشهد، لا يمكنه عند أول اختبار أن يتحول إلى مجرد قطعة حديد تفتقر إلى الإرادة أو القدرة على اتخاذ القرار. ومن ثم، فإن الحكاية الآتية لا تمثل اعتراضاً على حق النقد، بل دفاعاً عن مقاربة نقدية أخرى؛ مقاربة لا تخلط بين من يضع التوجهات العامة ومن يدير تفاصيل الرحلة اليومية، ولا تقبل أن تتحول الواجهة، عند اشتداد المساءلة، إلى ضحية مجردة من أي مسؤولية.
اربطوا أحزمتكم…سننطلق
في ليلةٍ شتوية طويلة، كانت هناك حافلة قديمة تشق طريقًا جبليًا متآكلًا. كان هيكلها يئنّ مع كل حفرة، ومحركها يختنق أحيانًا كعجوزٍ يتنفس بصعوبة. لكن الناس ظلّوا يركبونها، لا لأنهم لا يرون عيوبها، بل لأنهم يعرفون أنها حافلتهم الوحيدة، وأن الطريق، مهما طال، لا يُقطع بالهروب منها.
كان اسم الحافلة: “الوطن”.
في مقدمة الحافلة، كان السائق يمسك المقود. لم يكن الطريق سهلًا، ولا كانت المنعرجات رحيمة، ولا كانت الصخور تسقط بإذن من أحد. كان ينظر بعيدًا، إلى ما وراء الضباب، حيث لا يرى الركاب إلا الهاوية، ولا تسمع المقاعد الخلفية إلا صوت المحرك. وحين تظهر المنعطفات الكبرى، كان السائق يخفف السرعة، يغيّر الاتجاه أحيانًا، يختار طريقًا أطول لكنه أأمن، ويفتح للحافلة ممرات كان الركاب يظنونها مغلقة إلى الأبد.
أما في مقدمة الحافلة، فكان هناك “البارشوك” الأمامي؛ قطعة حديد سميكة، مثبتة بعناية، واقفة في الواجهة أكثر من أي جزء آخر في الحافلة.
لكن هذا البارشوك لم يكن بريئًا كما يحب أن يبدو.
لم يوضع هناك في الظلام. لم يُسحب من الخردة قسرًا. لم يُثبت في المقدمة وهو يصرخ: “لا أريد”. لقد اختار مكانه. وتقدم يومًا أمام الركاب وقال:
“أنا أصلح للصدمات.”
“أنا أعرف كيف أحمي الحافلة.”
“أنا لست مجرد حديد.”
“أنا واجهة قوية، وأستحق أن أكون في المقدمة.”
صفق له بعض الركاب، وصعد بعضهم على أكتاف بعض حتى يروه جيدًا. وقالوا: “هذا بارشوك جديد. هذه المرة لن تنبعج الحافلة.”
ومرت الأيام.
كلما اصطدمت الحافلة بحفرة، كان البارشوك يصرخ قبل الركاب. كلما حكّته صخرة، علا صوته في الطريق. كلما اهتز المحرك، قال:
“انظروا إليّ… أنا أتلقى الضربة أولًا.”
في البداية، صدّقه بعض الركاب. قالوا: “مسكين البارشوك. إنه يحمي الجميع.”
لكن مع مرور الوقت، بدأوا يلاحظون شيئًا غريبًا. حين كانت الحافلة تتقدم في الطرق الكبرى، وحين تُفتح أمامها الممرات الصعبة، وحين تعود من المنعرجات البعيدة بخريطة أوضح ومكانة أقوى، كان البارشوك يلمع في الصور ويقول:
“نحن الذين نجحنا.”
وحين كانت الحافلة تتعثر في حفرة صغيرة أمام مدرسة، أو يتأخر إصلاح نافذة في مستوصف، أو يختنق الركاب من غلاء التذاكر، كان البارشوك يخفض صوته ويقول:
“نحن مجرد قطعة حديد.”
في كل مرة يغضب الركاب، ينزل مساعدوه ويقولون:
“انظروا إلى البارشوك… لقد تحمل الكثير.”
“لا تقسو عليه.”
“الصدمات أكبر منه.”
“الطريق صعبة.”
“والسائق هو من يمسك المقود.”
فيهدأ بعض الركاب مؤقتًا، لأنهم ظنّوا أن الخلل في الطريق وحدها، لا في القطعة التي وعدت بأنها ستواجه الطريق.
لكن شيخًا كان يجلس قرب النافذة ظل ينظر طويلًا إلى البارشوك. قال بصوت منخفض، لكنه وصل إلى آخر الحافلة:
“البارشوك الذي يطلب التصفيق عند الانطلاق، لا يحق له أن يطلب الشفقة عند الاصطدام.”
سكت الركاب.
قال الشيخ:
“إذا كان حديدًا فقط، فلماذا تكلم يومًا باسمنا؟
وإذا كان بلا قرار، فلماذا طلب المفاتيح؟
وإذا كان لا يملك شيئًا، فلماذا وعد بإصلاح المحرك؟
وإذا كان عاجزًا عن قول لا، فلماذا بقي مثبتًا في المقدمة؟”
نظر البارشوك إلى الأرض. كان صدئًا في بعض أطرافه، لكنه لا يزال يحب اللمعان. قال أحد مساعديه:
“لقد تلقى الصدمات بدلًا عن غيره.”
رد الشيخ:
“نعم، تلقى الصدمات. لكن تلقي الصدمة لا يجعل من العجز فضيلة. البارشوك ليس شهيدًا إذا كان قد اختار مكانه. والحكومة ليست قطعة حديد إذا كانت تملك الوزراء، والحقائب، والبرامج، والتوقيعات، والاجتماعات، والوعود، والأغلبية.”
بدأ الركاب يتهامسون. قال شاب من آخر الحافلة:
“لكن البارشوك يقول إنه لا يستطيع تغيير الاتجاه.”
أجابه الشيخ:
“ومن طلب منه أن يغير الجبل؟ نحن نطلب منه ألا يكذب على الركاب. أن يصلح ما بيده. أن يقول لا حين يُطلب منه ما لا يقدر عليه. أن ينزل إذا صار وجوده في المقدمة مجرد طلاء فوق الصدأ.”
ثم أشار إلى الطريق البعيد وقال:
“انظروا هناك.”
كانت الحافلة قد مرت، في سنوات طويلة، بمنعرجات لم تكن عادية. صعدت جبالًا كان البعض يقول إنها مستحيلة. فتحت طرقًا في الصحراء، ومدت جسورًا، وبنت موانئ، وربطت المدن، وواجهت عواصف لم يكن البارشوك يعرف حتى أسماءها.
وفي يوم من أيام الخريف، حين كان الضباب كثيفًا في الخارج، عاد صوت من بعيد يقول إن الطريق الجنوبية لم تعد محل تيه كما كانت. فرح الركاب. خرجوا إلى النوافذ. رفعوا الأعلام. وقالوا إن للحافلة ذاكرة، وإن للوطن وحدة لا تُقاس بضجيج الصفيح.
ومنذ ذلك اليوم، صار في الطريق موعد لا يشبه باقي المواعيد. موعد يذكر الركاب بأن هناك من يشتغل على المنعرجات الكبرى بصبر، وبنَفَس طويل، وبخرائط لا تُكتب على الزجاج المكسور.
حينها التفت الركاب إلى البارشوك وسألوه:
“إذا كانت الحافلة تستطيع أن تنتزع طريقها في الجبل الكبير، فلماذا تعجز أنت عن إصلاح حفرة صغيرة؟
إذا كان الوطن يربح معاركه الكبرى، فلماذا تفشلون في تدبير طابور صغير؟
إذا كانت الخريطة تتقدم في الخارج، فلماذا تتراجع الخدمة في الداخل؟”
ارتبك البارشوك. قال:
“أنا في الواجهة. كل الضربات تصل إليّ.”
قالت امرأة تحمل طفلًا:
“الواجهة ليست عذرًا. الواجهة مسؤولية.”
وقال رجل أنهكته الرحلة:
“من لا يطيق الصدمة، لا يطلب أن يكون بارشوكًا.”
وقال شاب غاضب:
“ومن لا يستطيع أن يقول لا، لا يحق له أن يقول إنه يحكم.”
عندها تذكر الركاب شيئًا كانوا قد نسوه.
البارشوك ليس قدرًا. يمكن تغييره. يمكن فكه. يمكن مساءلته. يمكن أن يقال له: لقد فشلت. ويمكنه هو أيضًا، إن بقي فيه قليل من كرامة الحديد، أن يقول:
“لم أعد أستطيع.”
لكن البارشوك لم يقلها.
ظل مثبتًا في مكانه. ظل يستقبل الصور عند الانطلاق، والشفقة عند الاصطدام. ظل يلبس لونًا جديدًا كل موسم، مرة بالأحمر، ومرة بالأزرق، ومرة بطلاء لامع يجعل الركاب يظنون أن القطعة تبدلت.
لكن الصدأ كان هو نفسه. ونفس الوعود. ونفس الأعذار. ونفس العبارة كلما ساءت الرحلة:
“لسنا نحن… نحن فقط نتلقى الضربات.”
في تلك اللحظة، اقتربت الحافلة من منحدر حاد. صرخ الركاب هذه المرة بصوت واحد:
“تحملوا مسؤوليتكم!”
لم يقولوا: “غيّروا السائق.”
ولم يقولوا: “اكسروا الحافلة.”
ولم يقولوا: “اتركوا الطريق.”
قالوا فقط:
“حاسبوا من وعد.
حاسبوا من وقع.
حاسبوا من طلب الثقة.
حاسبوا من جلس في المقدمة ثم تظاهر بأنه قطعة صامتة.”
أوقف السائق الحافلة قليلًا. نظر في المرآة إلى وجوه الركاب. ثم نظر إلى البارشوك وقال:
“لم أضعك في المقدمة لتبكي. وضعتك لتتحمل. فإن لم تعد قادرًا، فقلها. الطريق لا تحتاج إلى حديد يكثر الشكوى، بل إلى واجهة تعرف لماذا هي واجهة.”
لم يجب البارشوك.
كان يعرف أن الحكاية القديمة انتهت. لم يعد يستطيع أن يقول إنه يحمي السائق من غضب الركاب. فالركاب صاروا يعرفون أن من يحمي الوطن في القضايا الكبرى ليس بالضرورة من يدبر تفاصيل الرحلة اليومية. وصاروا يعرفون أيضًا أن من يفشل في التفاصيل لا يحق له أن يختبئ وراء عظمة القضايا الكبرى.
تحركت الحافلة من جديد.
وكان الركاب يسمعون صوت الحديد يحتك بالصخور. لكنهم لم يعودوا يظنون أن كل ضجيج حماية، ولا أن كل انبعاج بطولة، ولا أن كل صفيحة في المقدمة بريئة.
فقد اكتشفوا شيئًا مهمًا:
أن البارشوك قد يحمي الحافلة من الصدمة الأولى، نعم. لكنه قد يتحول، إذا أكثر من الأعذار، إلى صدمة ثانية.
واكتشفوا شيئًا أهم:
أن الحكومة التي تقبل أن تكون في الواجهة، لا تستطيع أن تعيش نصف مسؤولة ونصف ضحية. إما أن تكون سلطة تتحمل، أو واجهة ترحل. إما أن تقول لا حين يجب أن تقول لا، أو تقول للناس بصدق: لم أعد أصلح لهذا الطريق.
وحين ابتعدت الحافلة عن حافة الهاوية، لم يكن الدرس أن السائق لا يُسأل، ولا أن الطريق بلا خطر، ولا أن الركاب يجب أن يصمتوا.
كان الدرس أبسط وأقسى:
أن البارشوك لم يكن يومًا مظلومًا لأنه في المقدمة. كان مسؤولًا لأنه قبل أن يكون هناك.
ومن يقبل أن يكون “بارشوك” الوطن، لا يحق له أن يشتكي من أول حجر، و
أن يختبئ وراء السائق، ولا أن يطلب من الركاب التصفيق حين يلمع، والصمت حين يصدأ.