جنيف سويسرا 📍
يشهد العالم في العقود الأخيرة تطوراً متسارعاً في استخدامات الطاقة النووية والتقنيات الإشعاعية في مجالات متعددة، أبرزها توليد الطاقة والتطبيقات الطبية والصناعية، وهو ما رافقه اهتمام متزايد بتعزيز مفاهيم الأمن النووي ومنع إساءة استخدام هذه المواد أو استغلالها في أنشطة إجرامية أو إرهابية. وفي هذا السياق برز علم الأدلة الجنائية النووية والإشعاعية كأحد التخصصات الحديثة في المنظومة الأمنية، لما له من دور محوري في كشف مصادر المواد المشعة وتحليل آثارها ودعم التحقيقات الجنائية المرتبطة بها وفق أسس علمية دقيقة.
استناداً إلى الجهود البحثية والعلمية التي يقدمها المقدم الخبير/ خدومه سعيد النعيمي – قسم الأحياء الجنائية، القيادة العامة لشرطة أبوظبي، دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث يسلط الضوء على أهمية هذا التخصص الحيوي ودوره في دعم منظومة الأمن النووي وتعزيز القدرة على مواجهة التهديدات المعاصرة المرتبطة بالمواد المشعة والنووية.
ويكتسب هذا المجال أهمية خاصة في ظل التحديات الأمنية المعاصرة، التي لم تعد تقتصر على الجرائم التقليدية، بل امتدت لتشمل تهديدات عابرة للحدود تتعلق بتهريب المواد المشعة، أو استخدامها في ما يُعرف بالقنابل القذرة، أو حتى توظيفها في عمليات اغتيال سياسي. ومن هنا تتجلى الحاجة إلى تطوير القدرات الفنية والجنائية، وتعزيز التعاون الدولي، ونشر الوعي المجتمعي بمخاطر الإشعاع وسبل الوقاية منه.
ومن خلال هذا الطرح نستعرض بصورة منهجية المفاهيم الأساسية للأمن النووي والإشعاعي، وآليات عمل الأدلة الجنائية في مسارح الحوادث ذات الصلة، إضافةً إلى نماذج من القضايا والتطبيقات الدولية التي تبرز الأهمية المتنامية لهذا المجال في حماية المجتمعات وصون الأمن الإقليمي والدولي.
أهمية تخصص الأدلة الجنائية النووية والإشعاعية
يعد تخصص الأدلة الجنائية النووية والإشعاعية من التخصصات الجديدة التي بدأت تأخذ مكانتها بين العلوم الأمنية، وذلك لتعدد استخدامات الطاقة النووية والإشعاعية والزامية التحقيق العلمي الجنائي في حوادثها والتي قد تنتج لأسباب عرضية أو إجرامية أو إرهابية.
وكذلك يعد التخصص من متطلبات تحقيق الأمن النووي الذي اهتمت به دولتنا لضرورات محلية نظراً لوجود تطبيقات نووية وإشعاعية مثل مجال توليد الطاقة والمجال الطبي ولضرورات دولية حفظاً للأمن العالمي.
وسوف نحاول في هذا المقال توضيح أهمية دور تخصص الأدلة الجنائية النووية والإشعاعية، وذلك من خلال معلومات عامة مترابطة عن الأمن النووي والأدلة الجنائية ومسرح الجريمة والإرهاب النووي والقنبلة القذرة والاغتيالات السياسية بالمواد النووية وعرض لقضايا ذات علاقة من مناطق مختلفة حول العالم.
1 - تعريف الأمن النووي والأشعاع
• الأمن النووي: يمكن تعريفه حسب القانون الاتحادي رقم (6) لسنة
2009 في شأن الاستعمالات السلمية للطاقة النووية أنه سرقة المواد النووية وغيرها من المواد المشعة أو المرافق المرتبطة بها أو تخزينها أو الوصول غير المأذون به إليها أو نقلها غير المشروع أو التصرفات غير المشروعة الأخرى المتعلقة بتلك المواد أو المرافق وكشف هذه الأفعال والتصدي لها.
• الإشعاع: الإشعاع بشكل عام هو طاقة على شكل أمواج كهرومغناطيسية أو على شكل جسيمات قد تكون متأينة ( أي لها طاقة تغير تركيب الذرات) أو غير متأينة. ومن تلك الاشعاعات المؤينة هي أشعة ألفا (alpha particles)،الأشعة السينية ،(Gama rays) أشعة جاما ،(beta particle) أشعة السينية (X-Rays) وأشعة النيوترون (Neutrons) والتعرض المزمن للأشعة له آثار سلبية خطيرة مثل السرطان وقد يؤدي للوفاة أو المرض أما التعرض الحاد فله آثار مثل الغثيان، القيء، الصداع، الإسهال، أو حروق في الجلد، فقدان الشهية التعب، ارتفاع الحرارة.
2 - اهتمام الدولة بالأمن النووي
أولت دولة الإمارات العربية المتحدة الأمن النووي اهتماماً كبيراً سواء داخل الدولة أو خارجها. حيث أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد أل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة سنة 2013 عن مبادرة تتمثل في تبرع دولة الإمارات بمبلغ مليون دولار من أجل توسيع وترقية المختبرات الحالية للوكالة الدولية للطاقة الذرية لتحديد أصل المواد النووية التي يتم العثور عليها واكتشاف المنشآت النووية غير القانونية التي لم يتم التصريح بها إلى جانب العديد من المهام الأخرى. وهذا يشير بما لا شك فيه أن علم الأدلة الجنائية النووي والإشعاعي يسهم في تحقيق أهداف الأمن النووي مثل الفحوص المخبرية في التعرف على ماهية واصل المواد المشعة وغيرها.
في سنة 2016 شاركت دولة الإمارات في القمة الرابعة للأمن النووي بواشنطن برئاسة سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي. وقال الرئيس الأمريكي في هذا المجال إن العالم أحرز تقدما في منع المنظمات مثل القاعدة وداعش من امتلاك أسلحة نووية. وأضاف بأن آلاف الأطنان من المواد الانشطارية موجودة في مخزونات تحت إجراءات أمنية غير مشددة أحيانا، وأن مادة بحجم التفاحة يمكن أن تتسبب بدمار قد يغير شكل العالم (الاتحاد 2 أبريل 2016).
3 - علم الأدلة الجنائية النووية والإشعاعية
يمكن تعريف علم الأدلة الجنائية النووي والإشعاعي بأنه بحث في الأساليب العلمية التي يتم استخدامها للتعرف على ماهية المصدر النووي والإشعاعي من ناحية التركيب الكيميائي والفيزيائي والنظائري والعنصري والتعرف على مصدره والأشخاص الذين تعاملوا أو تسببوا باستخدامه وغيرها من المواضيع التي تستخدم نتائجها بعد إجرائها من قبل الجهات القانونية والقضائية. ومن الحوادث التي يمكن أن يشارك في التحقيق فيها علم الأدلة الجنائي النووي والإشعاعي ما يلي:
1 - حوادث الهجمات الإرهابية التي تستخدم فيها مواد مشعة.
2 - حوادث الاتجار وسرقة المواد المشعة والنووية.
3 - حوادث سوء استخدام وإهمال المواد المشعة والنووية.
4 - الحوادث النووية.
5 - حوادث سرقة الأسرار النووية.
4 - تخصصات الأدلة الجنائية المشاركة:
ويمكن أن تسهم عدة تخصصات جنائية في التحقيق في قضايا المواد النووية والإشعاعية منها بشكل عام ما يلي:
1 - الفحوص البيولوجية والبصمة الوراثية: وذلك لرفع عينات بيولوجية مثل الخلايا الطلائية، والدم، وعينات الشعر من موقع الحادث النووي للتعرف على الأشخاص ذوي العلاقة بالحادث من خلال مقارنة تلك العينات بالعينات المرجعية أو من خلال البحث في قواعد بيانات البصمة الوراثية.
2 - البصمة العشرية: وذلك لرفع آثار البصمات من موقع الحادث للتعرف على أصحابها بواسطة قواعد البيانات.
3 - الكيمياء الجنائية: للتعرف على المواد المجهولة من الناحية الكيميائية والميكروسكوبية.
4 - التزييف والتزوير: لدراسة حالات التوقيعات والكتابات المستخدمة في الحوادث النووية وفحص المحررات والبطاقات المزيفة مثل بطاقات التعريف.
5- الصوتيات والمرئيات: لتحليل ومقارنة الصور والأصوات للأشخاص ذوي الصحة بالحوادث النووية والإشعاعية.
6 - آثار الآلات والأسلحة: لدراسة آثار احتكاك الآلات مثل حالة كسر الأبواب والأقفال وفحص المركبات في حالة الصدم وإجراء فحوص التعرف على الأسلحة النارية بواسطة بصمة السلاح.
7- السموم والمخدرات: لتحليل المواد البيولوجية للأشخاص مثل عينات الدم والبول للكشف عن وجود المواد المخدرة والسامة.
8 - التحقيق في آثار الحرائق: لدراسة آثار الحريق إن وجدت في موقع الحوادث المختلفة والتعرف على أسباب الحريق والمواد المسببة له.
9 - الطب الشرعي: الذي سوف يسهم في عدة نواح منها التعرف على المظاهر المرضية والتشريحية المتعلقة بالوفيات الناتجة عن المواد النووية والمشعة.
5- أمثلة لمختبرات جنائية بها قسم للمواد المشعة والنووية:
أ- الولايات المتحدة الأمريكية: يوجد بها مركز ليفرمور للعلوم الجنائية
Livermore forensic science center, يقع هذا المختبر في الولايات المتحدة الأمريكية، بكاليفورنيا، وهو يعد من المختبرات القليلة في الولايات المتحدة الأمريكية التي يمكنه التعامل مع المواد المشعة. ويساعد الخبراء في المركز الأجهزة الشرطية في التحقيق في الحوادث التي تشمل على المواد المشعة.
ب- هولندا: ويوجد في الشرطة الهولندية بمعهد الأدلة الجنائية الهولندي
.(Forensics Nuclear Security Program) برنامج الأمن النووي الجنائي
ويهدف البرنامج نحو جمع تخصصي العلم النووي مع علم الأدلة الجنائية لتبادل المعلومات ولحماية أفراد المجتمع من الحوادث الجنائية النووية.
6 - العمل في موقع الحادث النووي والإشعاعي (Crime Scene) :
• مسرح الجريمة: يمكن اعتبار أن أي موقع تم فيه استخدام غير مشروع للمواد النووية والإشعاعية أو ضبطها أو التطهير منها بأنه عبارة عن موقع جريمة (Crime Scene) وعليه يتطلب اتمام الإجراءات المتعارف عليها في مسرح الجريمة، وذلك بالتعاون مع الشركاء الداخلين في أجهزة الشرطة ومنها فريق المواد الكيميائية والبيولوجية والنووية والإشعاعية وهو يعرف كذلك بفريق (CBRN). ونظرا لأهمية هذا الفريق يمكن ذكر أنه يعد من الفرق المهمة في جهاز الشرطة التي تسهم في الكشف والتعامل مع حوادث الإشعاع.
ونظرا لأهمية هذا المجال تم بتاريخ الأربعاء 18 يونيو 2014 وبحضور الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية افتتاح الأمانة الإقليمية لمراكز التميز لتجنب المخاطر الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية (CBRN) في إمارة أبوظبي، ولها أهمية كبيرة في جمع الآثار والمواد المتعلقة بالمواد الإشعاعية للفحوص المخبرية ويمكن لفريق الـ ( CBRN ) أن يعمل معه فريق متخصص في الأدلة الجنائية
• الأجهزة في موقع الحادث: وتستخدم في موقع الحادث أجهزة للكشف عن المواد النووية الإشعاعية ومنها جهاز النانوريدر (nanoRAIDER) وجهاز الجايجر Geiger Mueller (GM) Detectors، وجهاز لقياس الأشعة الممتصة ( Dose Rate Meter) وجهاز فالكون 5000 للتعرف على نظير المشع (Falcon 5000® Portable HPGe-Based Radionuclide Identifier) وكذلك يمكن استخدام أجهزة ORTEC للكشف عن المصادر النووية المشعة من خلال رصد النيوترونات، (ORTEC’s neutron and fission detection system)
• المعاينة الفنية: يتم من خلالها المسح الشامل لموقع الحادث عن أي آثار يشتبه بها أو يمكن أن تستخدم في التحاليل والمقارنات المعملية الجنائية أو إضافة معلومات تساعد في التحري والبحث الجنائي. ويتم وضع الملابس الوقائية الخاصة والمناسبة عند معاينة موقع مسرح الجريمة الذي يشتبه أنه بحتوي على مواد نووية أو إشعاعية.
• جمع العينات والأثار الجنائية
يعد جمع ورفع المواد ومتابعة الآثار من الحادث النووي والإشعاعي من المتطلبات المهمة لإجراء الفحوص المخبرية الجنائية، ومن المحرزات التي يمكن رفعها ما يلي:
1. جمع المواد النووية والإشعاعية: ويم رفعها بعد تحديد مكانها بالأجهزة المتخصصة ويتم توثيق موقعها بواسطة الGPS ووصف وضعيتها ومكانها بدقة وتصويرها ورسم مكان وجودها واخذ القياسات والأبعاد من المكان. علما بأن أي مواد تكون متصلة بالمادة المشعة أو النووية مثل الحاوية المعدنية يمكن أن تحتوي على آثر جنائية يستفاد منها.
2. جمع الآثار الجنائية الأخرى: وقد تضم ما يلي:
• عند إجراء عملية تطهير للمتعرضين للإشعاع يجب التحفظ على مايلزم من آثار وعينات لزوم الفحوص الجنائية لاحتمالية وجود مجرمين متخفين لينهم.
• عينات من التربة والرواسب لإمكانية احتوائها على مؤشرات لوجود مواد
نووية وإشعاعية.
• عينات من النباتات.
• عينات من الماء من موقع الحادث.
• عينات من الحيونات والكائنات الدقيقة في الموقع.
• عينات من الهواء.
• بصمات الأصابع وطبعات الأحذية والأقدام وطبعات عجلات المركبات والمسحات المتعلقة بالبصمة الوراثية.
• تحريز ونقل وحفظ وتخزين العينات:
عند رفع العينات والآثار من موقع الحادث يجب وضعها في حاويات مناسبة وإغلاقها بإحكام ووضع ختم أو لا صق مع التوقيع عليه لضمان المحافظة على العينة وعدم تعرضها للتلوث أو التلاعب إلى حين نقلها لجهة الفحص. وهذا بسمى سلسلة التحريز (Chain of custody) وهي من الشروط التي يجب إتمامها قبل إجراء الفحوص المخبرية الجنائية. ويرجع للشروط والإجراءات المناسبة الصادرة من الجهات المختصة بخصوص نقل وتخزين وحفظ المواد النووية والإشعاعية.
• 7- الفحوص المخبرية للمواد المشعة والنووية:
• للمواد المشعة أجهزة متخصصة تستخدم للتعرف عليها وهي تضم ما يلي:
1- أجهزة قياس وعد الإشعاع ( Radiation Counting Systems)
2- التصوير و الفحص الميكروسكوبي و الطيفي و التحليل بالمجهر الالكتروني.
3- جهاز الطيف الكتل ( Mass Spectrometry ) لنظائر العناصر ( IRMS ) و فحوص العناصر الدقيقة.
4- جهاز قياس الكتل الطيفي ( Accelerator Mass Spectrometry ).
5- جهاز الكروماتوجرافي الغازي مع مطياف الكتل ( Gas Chromatography–Mass Spectrometry (GC-MS)).
فحوص التعرف على المصدر ( Route Attribution)
يعد التعرف على المصدر من المتطلبات المهمة لحل قضايا المواد المشعة. حيث يمكن أن تساعد هذه الفحوص في التعرف على مكان تصنيع أو منشأ تلك المواد ومسارات تنقلاتها والأشخاص الذين تعاملوا معها. وتضم الفحوص المخبرية ما يلي: فحوص بصمة النظائر المشعة، الفحوص البيولوجية وتضم البصمة الوراثية، وعينات الإنسان والحيوان والنباتات (مثل حبوب اللقاح)، والفحوص الجيولوجية ( مثل التربة وأجزاء الصخور) ومطابقة البصمات المرفوعة من على المواد النووية والإشعاعية بقواعد البيانات.
8 - الإرهاب النووي
بالرغم من أن إمكانية حدوث الهجوم الإرهابي بالأسلحة النووية منخفض جدا، إلا أنه لا بد من وضع الخطوات والخطط لتجنبه والتقليل منه. والهجوم الإرهابي يقصد به استخدام التكنولوجيا النووية بواسطة الإرهابيين بقصد الإضرار بالمجتمع وإشاعة الذعر والخوف وتعطيل الحركة الاقتصادية في الدول والمجتمعات. وقد تطورت الفرضيات الخاصة بالإرهاب النووي حيث لم يقتصر على تفجير القنابل القذرة بواسطة الإرهابيين ولكن تطور إلى تصور مهاجمة الإرهابيين للمحطات النووية بطائرة مختطفة. أو تطوير بعض الجهات الإرهابية للأسلحة النووية أو شراء سلاح نووي وهذه فرضية تعرف بقنبلة حقيبة السفر ( Suit- Case Bomb)
9 - القنبلة القذرة
وكانت تعرف سابقا بجهاز نشر الإشعاع.Radiological Dispersion Device (RDD)
والقنبلة القذرة تتكون من مواد متفجرة مثل الـ (TNT) و المواد الإشعاعية (علما بأنه قد يستخدم فيها كذلك مواد بيولوجية أو كيميانية قاتلة)، وفي حالة وجود مواد مشعة قد يتسبب انفجارها بنشر المواد الإشعاعية على الجمهور وأفراد المجتمع. وإذا كانت تلك المواد النووية على شكل مسحوق أو كريات كان مفعولها أكثر ضررا. وأشارت التقارير أن مثل هذه القنبلة تم محاولة وضعها في حديقة إيزميلوفسكي (Izmaylovsky) بمسكو سنة 1995 ولكن لم تنفجر وكانت تحتوي على المادة المشعة سيسيوم 137- (Caesium-137) علما بأن القنبلة القذرة ليست سلاحاً نووياً و ليست قنبلة نووية، ولكن وسيلة لنشر المواد النووية بقوة التفجير. وسوف تسهم الأدلة الجنائية في التحقيق في مواقع هذه الحوادث لرفع الأدلة المناسبة للتعرف على المتسبب بالحادث و إعادة بناء مسرح الجريمة
10 - المواد النووية والاغتيال السياسي
قد تستخدم المواد النووية في قضايا القتل وفي قضايا الاغتيال السياسي.
حيث يمكن دسها في الأكل ليتناولها الشخص بدون أن يشعر بها حيث إنها بدون رائحة أو طعم. وسوف نتناول هنا حادثة وفاة الرئيس الفلسطيني السابق والروسي أليكساندر ليتفينينكو حيث سنلاحظ مساهمة علوم الأدلة الجنائية مساهمة كبيرة في تحليل ودراسة القضيتين.
• وفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات
توفى الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات في 11 نوفمبر سنة 2004 في مستشفى بيرسي بفرنسا. بعد شهر من ظهور أعراض مرضية عليه تضم الغثيان، والقيء، والإسهال، وآلام في المعدة والذي تلاه تعطل وفشل عدد من أعضاء الجسم أدى إلى الوفاة. ولم يستطع الأطباء التعرف على سبب الوفاة.
في سنة 2011 وجد فريق من المحققين الجنائيين السويسريين نسبة غير طبيعية من مادة البولونيوم Polonium -210) -210) في متعلقات الرئيس الراحل التي كانت في المستشفى قبل وفاته. وفي سنة 2012 أي بعد مرور 8 سنوات من الوفاة تم فتح قبر الرئيس عرفات وتم أخذ عينات منه حيث تبين وجود نسبة أعلى من عنصر البولونيوم 210- في عينات من الأضلاع وعظم الحوض، وعظم القص. واشار الفريق السويسري في تقريرهم الجنائي بان الوفاة تمت بفعل التسمم بمادة البولونيوم 210- المشعة. و فسروا غياب التثبيط في نخاع العظم و عدم سقوط الشعر (Absence of myelosup- pression and hair loss) الرئيس عرفات بمقارنة مع حالة تسمم الروسي أليكساندر ليتفينينكو بنفس المادة إلى اختلاف أوقات إعطاء المادة (المرجع Froidevaux et al 2016)
• اغتيال الروسي أليكساندر ليتفينينكو Alexander Litvinenko
تم اغتيال الروسي اليكساندر ليتفينينكو في لندن في 23 نوفمبر 2006 حيث تم تسميمه بواسطة المادة المشعة البولونيوم Polonium -210) -210). وتعد مادة البولونيوم مادة خطرة إذا تم أخذها من خلال الفم كسم ولكنه قليل الخطر لمصدر خارجي للإشعاع. حيث أن اشعة ألفا التي يشع منها لها قوة اختراق منخفضة. ويعتقد المحققون بأنه في صباح 2006/11/1 التقى المتوفى بشخصين روسيين حيث استطاع أحدهما وضع مادة البولونيوم - 210 في كوب الشاي الخاص بالمتوفي. وعند تناولها بدأت أشعة ألفا بالفتك بالأعضاء الداخلية للمجني عليه وتسببت في موت الخلايا وموت الأجهزة الداخلية.
وهذا العنصر نادر جدا لدرجة أن يتم انتاج 100 جرام سنويا معظمها في روسيا ودول الاتحاد السوفييني السابق. واستطاع المحققون العثور على هذه المادة كذلك في الطائرة التي سافر على متنها ذلك الشخصان المشتبه بهما من لندن إلى مسكو ( المرجع 2013.Johll )
11 - حوادث المواد المشعة
وهي أخذ أو سرقة أو تهريب أو بيع أو استخدام المواد المشعة بصورة غير قانونية، وهو يعد من المخاطر التي يجب أن يتجنبها المجتمع لإمكان تسبب تلك المواد بآثار صحية خطيرة على مستخدمها أو أنها قد تستخدم في تحضير القنابل القذرة أو صناعة المخدرات. وتسهم الأدلة الجنائية في التحقيق في مثل هذه الحوادث من عدة نواح منها رفع البصمات وعينات البصمة الوراثية والتعرف على المادة الكيميائية والمشعة وتحديد مصدرها بالتعاون مع الشركاء الداخليين والخارجيين. وفيما يلي سرد لبعض الحوادث الدولية في هذا المجال
• سرقة مواد مشعة في مصر
يوم الخميس 19 يناير 2012 تم الإعلان في موقع الإخباري سكاي نيوز عن سرقة مواد مشعة من محطة نووية بمصر، حيث تم سرقة تلك المواد من خزانة في محطة الضبعة النووية - قيد الإنشاء - شمال غرب مصر. وأن المواد التي سرقت منخفضة الإشعاع وأنها كانت محفوظة في علب محكمة وتمثل فطورة فقط إذا فتحت العلب أو ابتلع شيء من محتوياتها. والمواد كانت ستخدم في معايرة الاجهزة ولا تستخدم في إنتاج المواد النووية. وتم تكليف فريق من الهئية المصرية للطاقة النووية بتتبع المواد المسروقة.
• سرقة مواد مشعة في العراق
ذكر خبر بتاريخ الخميس 2016/2/18 أنه تم سرقة مواد مشعة وكانت تلك المواد مخزنة في حقيبة في حجم الكمبيوتر المحمول اختفت في تشرين الثاني من منشاة تخزين قرب مدينة البصرة جنوب العراق تابعة لشركة ((ويذرفورد» الأمريكية لخدمات الحقول النفطية. علما بأن المصدر المشع عالي الخطورة (الإيريديوم 192) يتسم بنشاط إشعاعي شديد.
• سرقة مواد نووية في المكسيك
ورد بتاريخ 16 أبريل 2015 خبر يفيد بأن السلطات المكسيكية وضعت في حالة التاهب في خمس ولايات بعد سرقة مادة إيريديوم192- المشعة في كارديناس، بولاية تاباسكو جنوبي البلاد. وشددت وزارة الداخلية على أن (الاقتراب من تلك المواد المشعة لمدة ساعات أو أيام يمكن أن يكون مميتا». وتعرضت مواد إيريديوم - 192 للسرقة من سيارة تابعة لشركة «جرانتيا راديوجرافيكا اي انجينييرا، الخاصة والتي تستخدمها في الأغراض الصناعية. علما أنه تكررت سرقة المواد المشعة عدة مرات خلال السنوات الأخيرة في المكسيك. وعادة ما بسرق اللصوص هذه المواد بالصدفة أثناء محاولاتهم سرقة الأشياء الثمينة الأخرى من دون إدراك مدى خطورتها. وكذلك وبتاريخ 2013/12/5 في المكسيك تم سرقة مواد مشعة وهي كوبلت - 60. وكانت تلك المادة في شاحنة تحمل أجهزة طبية تستخدم في العلاج بالأشعة لمرضى السرطان وكانت في ستشفى في مدينة تيهوانا.
• سرقة مواد نووية في إسبانيا
ورد بتايخ 2016/ 3/ 31 خبر في إسبانيا يفيد بسرقة جهاز يحتوي على اثنين من المصادر المشعة: السيزيوم 137 والأمريسيوم - 241. وأشار الخبر بأن الجهاز سرق من سيارة متوقفة في شارع دي سي سينسياس في إشبيلية، وتقول السلطات إن الجهاز برتقالي اللون وبقياس 80x50x50 سم ومزود بقفل أمان مزدوج، ويحتوي على شاشة عرض زجاجية مع لوحة مفاتيح رقمية وأنبوب معدني يحتوي على مواد مشعة.
• المواد النووية وصناعة المخدرات
أثناء إحدى المداهمات الخاصة بمكافحة المخدرات في الولايات المتحدة الأمريكية تم اكتشاف مادة يشتبه بأنها نووية في أحد مصانع المخدرات.و عند الكشف عليها في مختبر ليفرمور الجنائي Livermore Forensic Science Center ، تبين بفحصها انها تحتوي على أشعة ألفا و بإجراء فحوص أخرى تبين أن المادة هي الثوريوم نيترتين (TH232) (Thorium Nitrate ). حيث يتم استخدامها في أسلوب ألماني قديم لتصنيع المواد المخدرة. حيث يتم تسخين تلك المادة في فرن للحصول ثوريوم أوكسايت. وهذا يوضح أن المواد المشعة يمكن ان يعثر عليها رجال الشرطة خلال عملهم في مكافحة المخدرات ويتطلب إجراء فحوص مخبرية عليها. وهذا يتطلب من العاملين في مكافحة المخدرات الانتباه لإمكانية وجود مواد مشعة في موقع صناعة المخدرات لاتخاذ الإجراءات اللازمة.
• فضيحة بيع العينات الأفغانية النووية
تم اكتشاف محاولة بيع مواد مشعة في أفغانستان على أنها مواد مشعة تركت في أفغانستان بعد الانسحاب السوفييتي هناك سنة 1989. وتم العثور على إحدى هذه المواد وعند فحصها تبين أنها لا تحتوي على مواد مشعة بعد إجراء الفحوص غير التالفة للمادة. وكانت إحدى المواد في حاوية أسطوانية بنية اللون وتزن 3.93 كيلوجرام و وتحتوي على ملصق عليه كتابة 150 235-U ا، أي يتحتوي على يورانيوم - 235. وهذا يشير الى وجود مواد بأنها نووية وعليها ملصقات وأرقام تخدع الشخص بأنها نووية ولكنها مواد مغشوشة وليست نووية والتي يؤكدها فقط ذوو الاختصاص.
• تهريب مواد مشعة إلى بلغاريا
يمكن أن يلجأ بعض الأشخاص لتهريب مواد مشعة من بلد لآخر حيث إنه في 29 مايو 1999 وبعد انتصاف الليل تم اعتراض شخص من الجنسية التركية في بلغاريا وكان قادما من تركيا. وتم العثور معه على طرد مشبوه بعد الاشتباه به لأنه لم يكن يحمل حقائب سفر، وبتفتيش سيارته تم العثور على حاوية من الرصاص فيها حاوية زجاجية بها مادة سوداء اللون والتي بفحصها تبين أن بها يورانيوم عالي التخصيب (Highly enriched uranium ) و تم نقل العينة كذلك للولايات المتحدة الأمريكية حيث تم التأكد من نوع المادة . هذا يوضح ضرورة انتباه رجال الشرطة و الجمارك على الحدود لإمكانية تهريب المواد المشعة من خلال تلك المنافذ.
• فقدان المواد النووية في بريطانيا
أشارت صحيفة الجارديان (The Guardian) بأنه يوجد أكثر من 30 حادث فقدان لمواد مشعة في بريطانيا خلال العشر سنوات السابقة من أماكن للأعمال والمستشفيات والجامعات. مثلاً فقد 13 كجم من مادة اليورانيوم استنفدت سنة 2008 كذلك مادة السيزيوم-137 من المستشفى الملكي والذي كان يستخدم في مجال العلاج بالسرطان.
12 ـ التوصيات:
1. تعزيز الرقابة على المواد النووية الجنائية واعتمادها دولياً.
2. زيادة نشر الوعي عن الإشعاع بين العاملين في الشرطة والأمن والمجتمع.
3. زيادة التعاون والشراكة والتنسيق بين الجهات الأمنية والجهات المعنية بالطاقة النووية والإشعاعية.
المراجع:
• سيف بن زايد يشهد حفل افتتاح الأمانة الإقليمية لمراكز التميز لتجنب المخاطر، الأربعاء، 18 يونيو 2014، المركز الإعلامي، آخر الأخبار، موقع القيادة العامة لشرطة أبوظبي:
https://www.adpolice.gov.ae/ar/media-centre/news/9060035.aspx
• http://www.skynewsarabia.com
• مسؤولون عراقيون: سرقة مواد مشعة، خطرة جداً، قد يحصل عليها داعش، ويصنع قنبلة نووية 2016، https://arabic.rt.com/news
• Hills,S. (2013). Canister of potentially lethal radioactive material found in shopping Centre a month after it was stolen from courier’s van. Available: http://www.dailymail.co.uk/news/article-2293682/Canister-potentially-lethal-radioactive-material-shopping-centre-month-stolen-couriers-van.html. Last accessed 16/5/2016.
• بهاء الدين حسن معروف، الوقاية من الإشعاعات النووية، منشورات منظمة الطاقة الذرية العراقية، 1989.
• Pascal Froidevaux, François Bochud, Sébastien Baechler, Vincent Castella, Marc Augsburger, Claude Bailat, Katarzyna Michaud, Marietta Straub, Marco Pecchia, Theo M. Jenk, Tanya Uldin, Patrice Mangin, 210Po poisoning as possible cause of death: forensic investigations and toxicological analysis of the remains of Yasser Arafat, Forensic Science International, Volume 259, February 2016, Pages 1-9.
• سعيد علي سعيد العتيبي، 2016. الحماية الجنائية في مجالات الاستعمالات السلمية للطاقة النووية في التشريع الإماراتي، دار حافظ، الطبعة الأولى دبي.
• محمد أمين يوسف، 2016. مسؤولية الدولة عن أضرار التلوث البيئي والنووي والإشعاعي، المركز القومي للإصدارات القانونية، القاهرة.
• Osterburg J. W. and Ward R. H., 2010, Criminal investigation A method of reconstructing the past, six ED., LexisNexis,N.J.p 530.
• Johll M. E. 2013, Investigating chemistry: Introductory chemistry from a forensic science perspective, Third Ed. Freeman and Company, NY. Pp 365-370.
• http://emergency.cdc.gov/radiation/ars.asp
• http://www.nrc.gov/about-nrc/radiation/health-effects/measuring-radiation.html
• http://www.nrc.gov/about-nrc/radiation/health-effects/measuring-radiation.html
• (https://www.fanr.gov.ae/Ar/Pages/default.aspx)
• http://www.enec.gov.ae
• Forensics in Nuclear Security Programme: https://www.forensicinstitute.nl; Netherlands Forensic Institute (NFI).
• (http://www.alwasatnews.com/news/982426.html)
• Radioactive materials lost in more than 30 incidents over past decade http://www.theguardian.com/environment/2013/may/05/radioactive-materials-lost-30-incidents.
• القانون الاتحادي رقم (6) لسنة 2009 في شأن الاستعمالات السلمية للطاقة النووية.
• Krock L. and Deusser R., (2003). Chronology of Events. Available: http://www.pbs.org/wgbh/nova/dirtybomb/chrono.html. Last accessed 25/5/2016.
• Bolz F., Dudonis K.J., Schulz D.P., (2005). Threat of weapons of mass destruction. In: The counterterrorism handbook, Tactics, procedures, and techniques. 3rd ed. Boca Raton: CRC. 152-154.
• http://www.ortec-online.com/Products-Solutions/Neutron-Detection-Systems-Overview.aspx
• International Atomic Energy Agency Nuclear Forensics Support, Technical Guidance, Reference Manual, IAEA Nuclear Security Series No. 2.